يَحْفُرُوا الْآبَارَ وَيَتْرُكُوهَا مَفْتُوحَةً يَقَعُ فِيهَا الضَّعِيفُ وَالْمَكْفُوفُ وَالصَّبِيُّ ، وَكَذَلِكَ لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَضَعُوا الْعُذْرَةَ عَلَى الطَّرِيقِ فَيَدُوسُهَا النَّاسُ وَيَتَأَذَّوْنَ بِهَا ، وَكَذَلِكَ لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَضَعُوا السِّبَاعَ فِي الطَّرِيقِ يَنْهَشُ النَّاسَ وَيُجَرِّحُهُمْ . قَالُوا: فَإِنَّمَا عَنَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يَفْعَلَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ أَذَى الْمُسْلِمِينَ . وَقَالُوا: لَوْ كَانَ التَّنَفُّلُ مِنَ الْإِيمَانِ مَا كَمُلَ إِيمَانُ أَحَدٍ أَبَدًا ، وَلَا مَلَكًا مُقَرَّبًا وَلَا نَبِيًّا مُرْسَلًا ، فَكَانَ كُلُّ مَنْ لَقِيَ اللَّهَ مَنْ لَقِيَهُ لَقِيَهُ نَاقِصَ الْإِيمَانِ . قَالُوا: وَهَذَا شَتْمٌ لِرُسُلِ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ ، وَإِيجَابُ أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ ، وَلَا لَهُ نِهَايَةٌ ، وَاللَّهُ لَا يَأْمُرُ بِمَا لَيْسَ لَهُ نِهَايَةٌ ، وَلَيْسَ بِمَعْلُومٍ فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ أَنَّ الْفَرَائِضَ مِنَ الْإِيمَانِ ، وَلَيْسَتِ النَّوَافِلُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ ، وَلَكِنَّهَا بِرٌّ وَإِحْسَانٌ وَقُرْبَةٌ . وَقَالَ الْجُمْهُورُ الْأَعْظَمُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ: الْإِيمَانُ وَاحِدٌ لَهُ أَصْلٌ وَفَرْعٌ فَأَصْلُهُ مُفْتَرَضٌ ، وَفَرْعُهُ مِنْهُ مُفْتَرَضٌ ، وَمِنْهُ لَا مُفْتَرَضٌ ، فَأَمَّا الْمُفْتَرَضُ فَهُوَ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ بِقُلُوبِهِمْ وَجَوَارِحِهِمْ ، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ مَحْدُودٌ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يُوجِبُ إِلَّا مَعْلُومًا يَسْتَوْجِبُ الثَّوَابَ مَنْ أَتَاهُ ، وَيَسْتَوْجِبُ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ مَنْ قَصَّرَ عَنْهُ بَعْدَ عِلْمٍ ، وَالْبَاقِي مِنَ الْإِيمَانِ هُوَ نَافِلَةٌ لَمْ يَفْتَرِضْهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ الْإِيمَانُ أَنَّ الْفَرَائِضَ لَمْ يَقُمْ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ إِلَّا عَنْ تَصْدِيقٍ بِاللَّهِ ، وَبِمَا وَعَدَ وَتَوَعَّدَ فَكُلَّمَا عَظُمَ قَدْرُ اللَّهِ فِي قُلُوبِهِمْ ، وَقَدْرُ وَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ بَعَثَهُمْ ذَلِكَ عَلَى أَدَاءِ وَاجِبِ حَقِّهِ ، وَكَذَلِكَ كُلَّمَا عَظُمَ فِي قُلُوبِهِمْ بَذَلُوا لَهُ الْمَجْهُودَ ، وَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِكُلِّ مَا اسْتَطَاعُوا ، لَا فُرْقَانَ بَيْنَ ذَلِكَ ، وَمَنْ يَقُلْ بِهَذَا مِنْ أَصْحَابِنَا فَقَدْ نَاقَضَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنَ الطَّاعَةِ عَنِ التَّصْدِيقِ إِيمَانًا فَكُلُّ طَاعَةٍ عَنْ تَصْدِيقٍ إِيمَانٌ . وَإِنَّمَا خَالَفَتْنَا الْمُرْجِئَةُ بِأَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ الْإِيمَانَ اسْمٌ لِلتَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ فَقَطْ ، وَقُلْنَا: لَا ، بَلْ هُوَ اسْمٌ لِلطَّاعَةِ ، ثُمَّ نَاقَضَتْ مِنَّا فِرْقَةٌ ، فَقَالُوا: هُوَ اسْمٌ لِبَعْضِ الطَّاعَةِ لَا لِكُلِّ الطَّاعَةِ ، وَإِنَّمَا بِالْمُفْتَرَضِ يَخْرُجُ تَارِكُهَا ، وَلَيْسَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا فَرْضٌ كَانَتْ إِيمَانًا ، وَإِنَّمَا كَانَتْ إِيمَانًا مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا طَاعَةٌ لَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا مُفْتَرَضَةٌ فَقَدْ نَاقَضَ مَنْ جَعَلَ طَاعَةً إِيمَانًا ، وَطَاعَةً لَا إِيمَانَ ، وَمَنْ تَدَبَّرَ الْإِيمَانَ عَلِمَ أَنَّهُ لَا غَايَةَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ الْمُفْتَرَضُ مِنْهُ لَهُ غَايَةٌ لِأَنَّ الَّذِي آمَنَ الْعِبَادُ بِهِ لَا غَايَةَ عِنْدَهُمْ فِي الْكَمَالِ وَالْإِجْلَالِ وَالْهَيْبَةِ ، فَلَوْ