قوله تعالى: { يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ.. } [الإسراء: 9] لأن المتتبع للمنهج القرآني يجده يُقدّم لنا الأقوم والأعدل والأوسط في كل شيء.في العقائد،وفي الأحكام،وفي القصص.
ففي العقائد مثلًا،جاء الإسلام ليجابه مجتمعًا متناقضًا بين مَنْ ينكر وجود إله في الكون،وبين مَنْ يقول بتعدُّد الآلهة،فجاء الإسلام وَسَطًا بين الطرفين،جاء بالأقوم في هذه المسألة،جاء ليقول بإله واحد لا شريك له.
فإذا ما تحدّث عن صفات هذا الإله سبحانه اختار أيضًا ما هو أقوم وأوسط،فللحق سبحانه صفات تشبه صفات البشر،فَلَه يَدٌ وسمع وبصر،لكن ليست يده كيدنا،وليس سمعه كسمعنا،وليس بصره كبصرنا: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.. } [الشورى: 11]
وبهذا المنهج الحكيم خرجنا مما وقع فيه المشبِّهة الذين شبّهوا صفات الله بصفات البشر،وخرجنا مما وقع فيه المعطّلة الذين أنكروا أن يكون لله تعالى هذه الصفات وأوّلوها على غير حقيقتها.
وكذلك في الخلق الاجتماعي العام،يلفتنا المنهج القرآني في قوله تعالى: { وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ } [يوسف: 105] يلفتنا إلى ما في الكون من عجائب نغفل عنها،ونُعرِض عن تدبُّرها والانتفاع بها،ولو نظرنا إلى هذه الآيات بعين المتأمل لوجدنا فيها منافع شتى منها: أنها تُذّكرنا بعظمة الخالق سبحانه،ثم هي بعد ذلك ستفتح لنا الباب الذي يُثري حياتنا،ويُوفّر لنا ترف الحياة ومتعتها.
فالحق سبحانه أعطانا مُقوّمات الحياة،وضمن لنا برحمته ضروريات البقاء،فمَنْ أراد الكماليات فعليه أنْ يُعمِل عقله فيما أعطاه الله ليصل إلى ما يريد.
والأمثلة كثيرة على مشاهدات متأملة في ظواهر الكون،اهتدى بها أصحاب إلى اكتشافات واختراعات خدمت البشرية،وسَهَّلَتْ عليها كثيرًا من المعاناة.
فالذي اخترع العجلة في نقل الأثقال بنى فكرته على ثِقل وجده يتحرك بسهولة إذا وُضع تحته شيء قابل للدوران،فتوصل إلى استخدام العجلات التي مكَّنَتْهُ من نقل أضعاف ما كان يحمله.
والذي أدخل العالم عصر البخار استنبط فكرة البخار،وأنه يمكن أن يكون قوةً مُحرِّكة عندما شاهد القِدْر وهو يغلي،ولاحظ أن غطاءه يرتفع إلى أعلى،فاهتدى إلى استخدام البخار في تسيير القطارات والعربات.
والعالِم الذي اكتشف دواء"البنسلين"اهتدى إليه عندما شاهد طبقة خضراء نسميها"الريم"تتكون في أماكن استخدام الماء،وكان يشتكي عينه،فعندما وصلت هذه المادة إلى عينه ربما مصادفة،لاحظ أن عينه قد برئت،فبحث في هذه المسألة حتى توصّل إلى هذا الدواء.
إلى غير ذلك من الآيات والعجائب في كون الله،التي يغفل عنها الخَلْق،ويمرُّون عليها وهم معرضون.