نقول لهم: كفاكم خداعًا،فألمانيا واليابان لم تأخذ قروضًا،وإنما أخذت معونة لا فائدة عليها،تسمى معونة (مارشال) .
وأيضًا من هذه القضايا التي ألجأتهم إليها مشاكل الحياة قضية ميراث المرأة،فلما عَضَّتهم قَنَّنُوا لها.
فظهور دين الله هنا يعني ظهورَ نُظم وقوانين ستضطرهم ظروف الحياة إلى الأخذ بها،وليس المقصود به ظهور اتّباع. ... ... ...
إذن: فمنهج الله أقوم،وقانون الحق سبحانه أعظم من قوانين البشر وأَهْدى،وفي القرآن الكريم ما يُوضّح أن حكم الله وقانونه أقوم حتى من حكم رسوله - صلى الله عليه وسلم - .
وهذا في قصة مولاه"زيد بن حارثة"،وزيد لم يكن عبدًا إلى أن خطفه بعض تجار الرقيق وباعوه،وانتهى به المطاف إلى السيدة خديجة ـ رضي الله عنها ـ التي وهبتْه بدورها لخدمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .فكان زيد في خدمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أن علم أهله بوجوده في مكة فأتوا ليأخذوه،فما كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،إلا أن خَيَّره بين البقاء معه وبين الذهاب إلى أهله،فاختار زيد البقاء في خدمة رسول الله وآثره على أهله. فقال - صلى الله عليه وسلم -:"فما كنت لأختار على مَنِ اختارني شيئًا".
وفي هذه القصة دليل على أن الرقَّ كان مباحًا في هذا العصر،وكان الرقّ حضانةَ حنانٍ ورحمة،يعيش فيها العبد كما يعيش سيده،يأكل من طعامه،ويشرب من شرابه،يكسوه إذا اكتسى،ولا يُكلّفه ما لا يطيق،وإنْ كلّفه أعانه،فكانت يده بيده.
وهكذا كانت العلاقة بين محمد - صلى الله عليه وسلم - وبين زيد؛ لذلك آثره على أهله،وأحب البقاء في خدمته،فرأى رسول الله أن يُكافئ زيدًا على إخلاصه له وتفضيله له على أهله،فقال:"لا تقولوا زيد بن حارثة،قولوا زيد بن محمد".
وكان التبني شائعًا في ذلك الوقت. فلما أراد الحق سبحانه أنْ يُحرِّم التبني،وأنْ يُحرِّم نسبة الولد إلى غير أبيه بدأ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،فقال: { ادْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُواْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ } [الأحزاب: 5]
والشاهد هنا: { هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ } [الأحزاب: 5] فكأن الحكم الذي أنهى التبني،وأعاد زيدًا إلى زيد بن حارثة هو الأقسط والأعدل،إذن: حكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يكن جَوْرًا،بل كان قِسْطًا وعدلًا،لكنه قسط بشري يَفْضُله ما كان من عند الحق سبحانه وتعالى.
وهكذا عاد زيد إلى نسبه الأصلي،وأصبح الناس يقولون"زيد بن حارثة"،فحزن لذلك زيد،لأنه حُرِم من شرف الانتساب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعوَّضه الله تعالى عن ذلك وسامًا لم يَنَلْه صحابي غيره،هذا الوسام هو أن ذُكِر اسمه في القرآن الكريم،وجعل الناس يتلونه،ويتعبدون به في قوله تعالى: { فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا.. } [الأحزاب: 37]
إذن: عمل الرسول قسط،وعمل الله أقسط.