هذا المنهج الإلهي هو أَقْوم المناهج وأصلحها؛ لأنه منهج الخالق سبحانه الذي يعلم مَنْ خلق،ويعلم مَا يصلحهم،كما قلنا سابقًا: إن الصانع من البشر يعلم صَنْعته،ويضع لها من تعليمات التشغيل والصيانة ما يضمن لها سلامة الأداء وأمن الاستعمال.
فإذا ما استعملْتَ الآلة حَسبْ قانون صانعها أدَّتْ مهمتها بدقة،وسلَمتْ من الأعطال،فالذي خلق الإنسان أعلم بقانون صيانته،فيقول له: افعل كذا ولا تفعل كذا: { أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [الملك: 14]
فآفة الناس في الدنيا أنهم وهم صَنْعةُ الحق سبحانه يتركون قانونه،ويأخذون قانون صيانتهم من أمثالهم،وهي قوانين وضعية قاصرة لا تسمو بحال من الأحوال إلى قانون الحق سبحانه،بل لا وَجْهَ للمقارنة بينهما. إذن: لا تستقيم الحياة إلا بمنهج الله عز وجل.
ثم يقول تعالى: { وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا } [الإسراء: 9] فالمنفذ لهذا المنهج الإلهي يتمتع باستقامة الحياة وسلامتها،وينعم بالأمن الإيماني،وهذه نعمة في الدنيا،وإن كانت وحدها لكانت كافية،لكن الحق سبحانه وتعالى يُبشِّرنا بما هو أعظم منها،وبما ينتظرنا من نعيم الآخرة وجزائها،فجمع لنا ربنا تبارك وتعالى نَعيمَيْ الدنيا والآخرة.
نعيم الدنيا لأنك سِرْتَ فيها على منهج معتدل ونظام دقيق،يضمن لك فيها الاستقامة والسلام والتعايش الآمن مع الخَلْق.ومن ذلك قول الحق سبحانه: { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [البقرة: 38] وقوله تعالى في آية أخرى: { فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى } [طه: 123] ويقول تعالى: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [النحل: 97]
وفي الجانب المقابل يقول الحق سبحانه: { وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذالِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذالِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى } [طه: 124-126] فكما أن الحق تبارك وتعالى جمع لعباده الصالحين السائرين على منهجه خيري الدنيا والآخرة،ففي المقابل جمع لأعدائه المعرضين عن منهجه عذاب الدنيا وعذاب الآخرة،لا ظُلْمًا منه،فهو سبحانه مُنَزَّه عن الظلم والجَوْر،بل عَدْلًا وقِسطًا بما نَسُوا آيات الله وانصرفوا عنها.
ومعنى: { يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ } [الإسراء: 9] وعمل الصالحات يكون بأن تزيد الصالح صلاحًا،أو على الأقل تبقي الصالح على صلاحه،ولا تتدخل فيه بما يُفسده.
وقوله: { أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا } [الإسراء: 9] نلاحظ هنا أن الحق سبحانه وصف الأجر بأنه كبير،ولم يَأْتِ بصيغة أفعل التفضيل منها (أكبر) ،فنقول: لأن كبير هنا أبلغ من أكبر،فكبير مقابلها