فهرس الكتاب

الصفحة 231 من 670

فعَنْ مُحَمَّدِ بن جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ،عَنْ أَبِيهِ،قَالَ:كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،بِالْجُحْفَةِ فَخَرَجَ عَلَيْنَا،فَقَالَ:أَلَيْسَ تَشْهَدُونَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ،وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ،وَأَنَّ الْقُرْآنَ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ؟ قُلْنَا:نَعَمْ،قَالَ:فَأَبْشِرُوا فَإِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ طَرَفُهُ بِيَدِ اللَّهِ،وَطَرَفُهُ بِأَيْدِيكُمْ،فَتَمَسَّكُوا بِهِ،وَلا تُهْلَكُوا بَعْدَهُ أَبَدًا. رواه الطبراني [1] .

ولقد بوأ الله به المسلمين عندما تمسكوا به،وأخلصوا في تطبيق أوامره،وتنفيذ أحكامه ووصاياه،وانتهوا عن كل ما نهى عنه،بوأهم مكانة الصدارة بين الأمم،وجعلهم مخلّصي الشعوب ومعلمي الأمم،وناشري الحضارة التي ما عرف التاريخ لها مثيلا،فكانوا بحق خير أمة أخرجت للناس.

وهذا كتاب الله تعالى تكفل بحفظه،وسخر عباده لتوثيقه،ليكون الدستور الخالد إلى يوم القيامة {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) } الحجر.

والقرآن قد جاء بعد كُتب متعددة،وكان كل كتاب منها يحمل منهج الله؛ إلا أن أيَّ كتاب منها لم يَكُنْ معجزة؛ بل كانت المُعْجزة تنزل مع أيِّ رسول سبق سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،وعادة ما تكون المعجزة من صنف ما نبغ فيه القوم الذين نزل فيهم.

وما دام المنهج مفصولًا عن المعجزة؛ فقد طلب الحق سبحانه من الحاملين لكتب المنهج تلك أنْ يحافظوا عليها،وكان هذا تكليفًا من الحق سبحانه لهم. والتكليف ـ كما نعلم ـ عُرْضة أنْ يُطَاع،وعُرْضة أنْ يُعصى،ولم يلتزم أحد من الأقوام السابقة بحفظ الكُتب المنزّلة إليهم.

ونجد الحق ـ سبحانه وتعالى ـ يقول: { إِنَّآ أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ... } [المائدة: 44]

أي: أن الحق ـ سبحانه وتعالى ـ قد كلّفهم وطلب منهم أنْ يحفظوا كتبهم التي تحمل منهجه؛ وهذا التكليف عُرْضة أنْ يطاع،وعُرْضة أنْ يُعصى؛ وهم قد عَصَوا أمر الحق سبحانه وتكليفه بالحفظ؛ ذلك أنهم حرّفوا وبدلوا وحذفوا من تلك الكتب الكثير. فقد قال الحق سبحانه عنهم: { ...وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [البقرة: 146]

بل وأضافوا من عندهم كلامًا وقالوا: هو من عند الله؛ لذلك قال فيهم الحق سبحانه: { فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ } [البقرة: 79]

وهكذا ارتكبوا ذنوب الكذب وعدم الأمانة،ولم يحفظوا الكتب الحاملة لمنهج الله كما أنزلها الله على أنبيائه ورُسله السابقين على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

ولذلك لم يَشَأ الحق سبحانه أن يترك مهمة حفظ القرآن كتكليف منه للبشر؛ لأن التكليف عُرْضة أن يطاع وعُرْضة أنْ يُعصى،فضلًا عن أن القرآن يتميز عن الكتب السابقة في أنه يحمل المنهج،وهو

(1) - المعجم الكبير للطبراني - (2 / 163) (1520) والصحيحة (713) وصحيح الجامع (34) صحيح لغيره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت