فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 670

-أما الذين يغضّون أصواتهم ويخفضونها في حضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،فقد هيأ الله قلوبهم لتلقي الهبة العظيمة والجائزة الكبيرة منه عز وجل،وهي هبة التقوى،التي ستؤدي في النتيجة إلى الخوف منه سبحانه،وإلى الإنابة إليه،ثم إلى استحقاق مغفرته جل وعلا واستحقاق أجره العظيم الذي يؤدي إلى الجنة.. إنه ترغيبٌ عميقٌ بعد تحذيرٌ مخيف!..

(إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الحجرات 3) .

-ثم أشارت الآيات الكريمة إلى حادثٍ وقع مع وفد بني تميم (في عام الوفود) ،حين قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،وكانوا أعرابًا جُفاةً،فنادوا من وراء حجرات النبيّ عليه الصلاة والسلام،المطلّة على المسجد النبويّ الشريف: يا محمد!.. اخرج إلينا!.. فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الجفوة وهذا الإزعاج: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) .. لأنهم لم يبلغوا في صفاتهم العقلية ما يدلّهم على كيفية التعامل مع الذي يبلّغ رسالة الله عز وجل،ولم يتّبعوا أدب العاقلين الناضجين في التعامل مع الناس.

لقد كان الأجدر بهم أن ينتظروا ويصبروا حتى تخرجَ إليهم،فذلك أفضل لهم عند الله وعند الناس،لما فيه من مراعاةٍ للأدب في مقام النبوّة.. ولكن الله عز وجل يقول بعد ذلك: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ،وهو ترغيب بالتوبة والإنابة (الرجوع) إليه،والعودة إلى الأصول في التعامل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،ثم الترغيب في الرحمة والمغفرة،إذ اقتصر قول الله عز وجل على تحذيرهم وتقريعهم،ولم ينزل العقاب عليهم.. مراعاةً لطبيعتهم القاسية التي تتمتع بالجفاء.

كيف امتثل المؤمنون من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذه الآيات؟!..

-منهم مَن أقسم ألا يكلّمه إلا سرًّا (أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه) .. ومنهم من حرص على خفض صوته حتى يستفهمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. ومنهم مَن بقي خائفًا وَجِلًا من أن يَحبَطَ عملُهُ لأن صوته جهوريًا حادًا (ثابت بن قيس) .. ومنهم.. ومنهم.

-في صلح الحديبية،يقول مفاوض قريش (عروة بن مسعود الثقفي) : (والله ما تنخّم رسول الله نخامةً إلا وقعت في كفِّ رجلٍ منهم(يقصد الصحابة) .. ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه.. وإذا أمرهم ابتدروا أمره،وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه (أي الماء الناتج عن الوضوء) .. وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده..).. (والله لقد وفدتُ على قيصر في مُلكه.. وعلى كسرى في مُلكه.. وعلى النجاشيّ في مُلكه.. والله ما رأيت مَلِكًا قطّ،يُعظّمه أصحابه مثل ما يعظِّم أصحابُ محمدٍ محمدًا) !..

فلنتأمّل،ولنتدبّر،وليكن الصحابة رضوان الله عليهم قدوتنا!..

لنتدبّر في الدروس والعظات المستوحاة من الآيات الكريمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت