ونلحظ أن الذين آمنوا برسالته - صلى الله عليه وسلم - ؛ لم يؤمنوا لأن القرآن أخذهم؛ ولكنهم آمنوا لأن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - لا يمكن أن يَكْذِبهم القول،وسيرته قبل البعثة معجزة في حَدِّ ذاتها،وهي التي أدَّتْ إلى تصديق الأوَّلين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
أما الكفار فقد أخذهم القرآن؛ واستمال قلوبهم،وتمنَّوا لو نزل على واحد آخر غير محمد - صلى الله عليه وسلم - .
وحين يرى المؤمنون أن القرآن يُخبرهم بالمواقف التي يعيشونها،ولا يعرفون لها تفسيرًا؛ ويخبرهم أيضًا بالأحداث التي سوف تقع،ثم يجدون المستقبل وقد جاء بها وِفْقًا لما جاء بالقرآن،هنا يتأكد لهم أن القرآنَ ليس من عند محمد،بل هو من عند رَبِّ محمد - صلى الله عليه وسلم - .
ولذلك فحين يُثير الكفار خزعبلاتهم للتشكيك في محمد - صلى الله عليه وسلم - يأتي القرآن مُطَمْئِنًا للمؤمنين؛ فلا تؤثر فيهم خزعبلات الكفار.
والمؤمن يذكر الله بالخيرات؛ ويعتبر من كل ما يمرُّ به،وبكل ما جاء بكتاب الله؛ وحين يقرأ القرآن فقلبه يطمئِنُّ بذكر الله؛ لأنه قد آمن إيمانَ صِدْقٍ.
وقد لمس المؤمنون أن أخبار النبي التي يقولها لهم قد تعدَّتْ محيطهم البيئيّ المحدود إلى العالم الواسع بجناحَيْه الشرقي في فارس،والغربي في الروم.وقد أعلن لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ـ على سبيل المثال ـ خبر انتصار الروم على الفرس،حين أنزل الحق سبحانه قوله: { الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ.. } [الروم: 1-4]
فأروني أيّ عبقرية في العالم تستطيع أن تتحكم في نتيجة معركة بين قوتين تصطرعان وتقتتلان؛ وبعد ذلك يحدد مِنَ الذي سينتصر،ومنِ الذي سَيُهزم بعد فترة من الزمن تتراوح من خَمْس إلى تِسَع سنوات؟
وأيضًا تأتي الأحداث العالمية التي لا يعلم عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا،وتوافق ما جاء بالقرآن.
وكُلُّ ذلك يجعل المؤمنين بالقرآن في حالة اطمئنان إلى أن هذا القرآن صادق،وأنه من عند الله،ويُصدّق هذا قول الحق سبحانه: { الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } [الرعد: 28]
ونعلم أن الكون قد استقبل الإنسان الأول ـ وهو آدم عليه السلام ـ استقبالًا،وقد هُيِّئ له فيه كُلُّ شيء من مُقوِّمات الحياة؛ وصار الإنسانُ يعيش في أسباب الله،تلك الأسباب المَمْدودة من يَدِ الله؛ فنأخذ بها وتترقَّى حياتنا بِقَدْر ما نبذل من جَهْد.
وما أنْ نموتَ حتى نصِلَ إلى أرْقى حياة؛ إنْ كان عملُنا صالحًا وحَسُنَ إيماننا بالله؛ فبعد أنْ كُنّا نعيش في الدنيا بأسباب الله الممدودة؛ فنحن نعيش في الآخرة بالمُسبِّب في جنته التي أعدَّها للمتقين.
وقول الحق سبحانه: {...أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } [الرعد: 28]