يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ عَجَلَةِ الإِنْسَانِ،وَدُعَائِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ بِالشَّرِّ حِينَ الغَضَبِ،كَمَا يُسَارِعُ إِلَى الدُّعَاءِ فِي الخَيْرِ،فَلَوِ اسْتَجَابَ اللهُ لَهُ لأَهْلَكَهُ وَأَهْلَكَ أَهْلَهُ.وَالَّذِي يَحْمِلُ الإِنْسَانَ عَلَى ذلِكَ هُوَ قَلَقُهُ،وَعَجَلَتُهُ،وَقِلَّةُ صَبْرِهِ . [1]
وقال عز وجل: {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} (11) سورة يونس.
يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ حِلْمِهِ وَلُطْفِهِ بِعِبَادِهِ،وَيَقُولُ إِنَّهُ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُمْ إِذَا دَعُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَوْلاَدِهِمْ بِالشَّرِّ فِي حَاَل ضَجَرِهِمْ وَغَضَبِهِمْ،لأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لاَ يُرِيدُونَ ذَلِكَ،فَلِذَلِكَ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُمْ لُطْفًا مِنْهُ،وَرَحْمَةً بِهِمْ .
أَمَّا إِذَا دَعَوا لأَنْفُسِهِمْ وَأَوْلاَدِهِمْ بِالخَيْرِ وَالبَرَكَةِ فَإِنَّهُ يَسْتَجِيبُ لَهُمْ.وَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَوِ اسْتَجَابَ لَهُمْ فِي كُلِّ دَعْوَةٍ تَجْرِي عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ لأَهْلَكَهُمْ.وَيَتْرُكُ اللهُ تَعَالَى الذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ،وَلاَ يَرْجُونَ لِقَاءَهُ فِي الآخِرَةِ،سَادِرِينَ فِي غَيِّهِمْ،مُسْتَمِرِّينَ فِي طُغْيَانِهِمْ،مُتَحَيِّرِينَ لاَ يَهْتَدُونَ إِلَى الخُرُوجِ مِمَّا هُمْ فِيهِ،حَتَّى يَجِيءَ اليَوْمُ الذِي وَعَدَهُمُ اللهُ بِهِ .
( وَقَدْ يَكُونُ المَعْنَى:لَوْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُعَجِّلُ لِلنَّاسِ إِجَابَةَ دُعَائِهِمْ وَاسْتِعْجَالِهِمْ فِي الشَّرِّ فِيمَا فِيهِ مَضَرَّتُهُمْ،فِي النَّفْسِ وَالمَالِ وَالوَلَدِ - كَمَا اسْتَعْجَلَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ رَسُولَ اللهِ بِالعَذَابِ الذِي أَنْذَرَهُمْ بِهِ - كَاسْتِعْجَالِهِمْ بِالخَيْرِ الذِي يَطْلُبُونَهُ بِدُعَائِهِمْ اللهَ،لَقَضَى إِلَيْهِمْ أَجَلَهُمْ قَبْلَ وَقْتِهِ الطَّبِيعِيِّ المُحَدَّدِ لَهُمْ،كَمَا أَهْلَكَ الذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ،وَاسْتَعْجَلُوا بِالعَذَابِ مِنْ قَبْلِهِمْ ) . [2]
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ،قَالَ:سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يَطْلُبُ الْمَجْدِيَّ بْنَ عَمْرٍو الْجُهَنِيَّ،وَكَانَ النَّاضِحُ يَعْتَقِبُهُ مِنَّا الْخَمْسَةُ،وَالسِّتَّةُ وَالسَّبْعَةُ،فَدَنَا عُقْبَةُ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى نَاضِحٍ لَهُ،فَأَنَاخَهُ فَرَكِبَهُ،ثُمَّ بَعَثَهُ،فَتَلَدَّنَ عَلَيْهِ بَعْضَ التَّلَدُّنِ،فَقَالَ:شَأْ لَعَنَكَ اللَّهُ،فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: مَنْ هَذَا اللاَّعِنُ بَعِيرَهُ ؟ قَالَ:أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ،قَالَ:انْزِلْ عَنْهُ،فَلاَ تَصْحَبْنَا بِمَلْعُونٍ،لاَ تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ،وَلاَ تَدْعُوا عَلَى أَوْلاَدِكُمْ،وَلاَ تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ،لاَ تُوَافِقُوا مِنَ السَّاعَةِ فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ." [3] "
وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ،قَالَتْ:دَخَلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى أَبِي سَلَمَةَ،وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ وَقَالَ:إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ،تَبِعَهُ الْبَصَرُ،فَصَاحَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ،فَقَالَ:لاَ تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ بِخَيْرٍ،فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ تُؤَمِّنُ عَلَى مَا تَقُولُونَ،ثُمَّ قَالَ:اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَبِي سَلَمَةَ،وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمُقَرَّبِينَ،وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ،وَاغْفِرْ لَهُ وَلَنَا يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ،اللَّهُمَّ افْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ،وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ. [4]
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 2041)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 1376)
(3) - صحيح ابن حبان - (13 / 52) (5742) وصحيح مسلم- المكنز - (7705 ) مطولا
(4) - صحيح ابن حبان - (15 / 515) (7041) وصحيح مسلم- المكنز - (2169) -الغابر: الباقى