غَفَلْنَا الْعُمُرَ وَاللهِ حَتَّى تَدَارَكَتْ عَلَيْنَا ذُنُوبٌ بَعْدَهُنَّ ذُنُوبُ
فَيَا لَيْتَ أَنَّ اللهَ يَغْفِرُ مَا مَضَى وَيَأْذَنُ فِي تَوْبَاتِنَا فَنَتُوبُ
3 -المحاسبة:
وهي أنه لما كان المسلم عاملا في هذه الحياة ليل نهار على ما يسعده في الدار الآخرة،ويؤهله لكرامتها،ورضوان الله فيها وكانت الدنيا هي موسم عمله كان عليه اأن ينظر إلى الفرائض الواجبة عليه كنظر التاجر إلى رأس ماله،وينظر إلى النوافل نظر التاجر إلى الأرباح الزائدة على رأس المال وينظر إلى المعاصي والذنوب كالخسارة في التجارة،ثم يخلو بنفسه ساعة من آخر كل يوم يحاسب نفسه فيها على عمل يومه،فإن رأى نقصا في الفرائض لامها ووبخها وقام إلى جبره في الحال،فإن كان مما يقضى قضاه وإن كان مما لا يقضى جبره بالإكثار من النوافل،وإن رأى نقصا في النوافل عوض الناقص وجبره وإن رأى خسارة بارتكاب المنهي استغفر وندم وأناب وعمل من الخير ما يراه مصلحا لما أفسد .
هذا هو المراد بالمحاسبة للنفس وهي إحدى طرق إصلاحها وتأديبها وتزكيتها وتطهيرها وأدلتها ما يأتى:
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } (18) سورة الحشر
يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِتَقْوَاهُ،وَذَلِكَ بِأَنْ يَفْعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ،وَأَنْ يَتْرُكُوا مَا نَهَاهُم عَنْهُ،وَلْيَنْظُرْ كُلُّ وَاحدٍ مِنْهُمْ مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَل صَالِحٍ يَنْفَعُهُ فِي آخِرَتِهِ يَوْمَ الحِسَابِ،ثُمَّ يُؤْكِّدُ تَعَالى الأَمْرَ بِتَقْوَاهُ،مُبَيِّنًا أَنَّهُ عَلِيمٌ بِأْحْوالِ العِبَادِ،جَمِيعِهَا،وَسَيُحَاسِبُهُمْ عَلَيْهَا . [1]
فقوله تعالى (( ولتنظر نفس ) )هو أمر بالمحاسبة للنفس على ما قدمت لغدها المنتظر .
وقال تعالى: {.. وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (31) سورة النور
وعَنْ أَبِى بُرْدَةَ قَالَ سَمِعْتُ الأَغَرَّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - يُحَدِّثُ ابْنَ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ فَإِنِّى أَتُوبُ فِى الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ » . [2]
وعَنْ أَبِي بُرْدَةَ،عَنْ رَجُلٍ،مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ،فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللهِ،وَأَسْتَغْفِرُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ فَقُلْتُ لَهُ:اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ،اللَّهُمَّ إِنِّي أَتُوبُ إِلَيْكَ:اثْنَتَانِ أَمْ وَاحِدَةٌ ؟ فَقَالَ:هُوَ ذَاكَ،أَوْ نَحْوَ هَذَا. [3]
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 5022)
(2) - صحيح مسلم- المكنز - (7034 )
(3) - مسند أحمد (عالم الكتب) - (6 / 254) (18293) 18482- صحيح