فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 670

وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ،أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ:حاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْل أَنْ تُوزَنُوا،وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ،يَوْمَ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ." [1] "

وكان أبو بكر رجلًا أسيفًا،إذا صلى بالناس لا تُكاد تسمع قراءته من كثرة بكائه وخوفه من ربه جل وعلا.

وكان في وجه عمر خطان أسودان من كثرة البكاء،وكان يُسمع بكاؤه من آخر الصفوف،وسمع قارئًا يقرأ قوله تعالى: إن عذاب ربك لواقع [الطور:7] . فسقط مغشيًا عليه،وبقي أيامًا مريضًا يزوره الناس،وكان إذا أظلم عليه الليل يضرب قدميه بالدرة،ويقول لنفسه: ماذا عملت اليوم يا عمر؟ وكان ينعس وهو قاعد،فقيل له: ألا تنام يا أمير المؤمنين؟ قال: (( إذا نمت الليل ضيعت حظي من الله،وإذا نمت النهار ضيعت رعيتي ) )وحين حضرته الوفاة يقول لابنه: (( ضع خدي على التراب عل الله أن يرى حالي فيرحمني ) ).

بكى عمر الفاروق خوفًا وخشية ... ... وقد كان في الأرض الإمام المثاليا

وقال بصوت الحزن يا ليت أنني ... ... نجوت كفافًا لا عليّ ولا ليا

وكان عثمان بن عفان - رضي الله عنه أرضاه - يصوم النهار ويقوم الليل، وكَانَ عُثْمَانُ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ فَقِيلَ لَهُ تُذْكَرُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَا تَبْكِي وَتَبْكِي مِنْ هَذَا فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ قَالَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلَّا الْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ" [2] وقد روي عنه أنه ما اغتسل مرة واحدة واقفًا بل كان يغتسل جالسًا حياء من الله جل وعلا،وقد روي عنه أنه كان يختم القرآن في ركعة ثم يوتر بها."

أما علي بن أبي طالب فقد كان صوامًا قومًا فارسًا بالنهار،راهبًا بالليل. صلى صلاة الفجر في يوم من الأيام فجلس حزينًا مطرقا،فلما طلعت الشمس قبض على لحيته،وبدأ يبكي ويبكي ثم قال: لقد رأيت أصحاب النبي فما رأيت شيئًا يشبههم،كانوا يصبحون شعثًا غبرًا سفرًا بين أعينهم كأمثال ركب المعزى من كثرة السجود،قد باتوا لله سجدًا وقيامًا يراوحون بين جباههم وأقدامهم،فإذا طلع الفجر ذكروا الله فمادوا كما يميد الشجر في يوم الريح وهطلت أعينهم بالدموع والله لكأنّ القوم باتوا غافلين.

وكان يستأنس بالليل وظلمته،فإذا أرخى الليل سدوله،وغارت نجومه،يميل في محرابه قابضًا على لحيته،ويتململ تململ الملدوغ،ويبكي بكاء الحزين،وينادي: يا ربنا.. يا ربنا.. يا ربنا.

(1) - مصنف ابن أبي شيبة - (13 / 270) (35600) والزهد لأحمد بن حنبل - (639 ) والزهد والرقائق لابن المبارك - (307) حسن لغيره

(2) - سنن الترمذي - (2230) وهو حسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت