وعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ:"إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادًا كَمَنْ رَأَى أَهْلَ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ مُخَلَّدِينَ وَكَمَنْ رَأَى أَهْلَ النَّارِ فِي النَّارِ مُخَلَّدِينَ قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ وَشُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ حَوَائِجُهُمْ خَفِيفَةٌ وَأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ صَبَرُوا أَيَّامًا قِصَارًا تُعْقَبَ رَاحَةً طَوِيلَةً، أَمَّا اللَّيْلُ فَمُصَافَّةٌ أَقْدَامُهُمْ تَسِيلُ دُمُوعُهُمْ عَلَى خُدُودِهِمْ يَجْأَرُونَ إِلَى رَبِّهِمْ رَبَّنَا رَبَّنَا، وَأَمَّا النَّهَارُ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ بَرَرَةٌ أَتْقِيَاءُ كَأَنَّهُمُ الْقِدَاحُ، يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسِبُهُمْ مَرْضَى وَمَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرِضٍ، أَوْ خُولِطُوا وَلَقَدْ خَالَطَ الْقَوْمَ مِنْ ذِكْرِ الْآخِرَةِ أَمَرٌ عَظِيمٌ" [1]
أما عبد الرحمن بن عوف فقد كان صائمًا ثم أتي بطعام فقال: قتل مصعب بن عمير،وهو خير مني،فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة إن غطي بها رأسه بدت رجلاه،وإن غطي بها رجلاه بدا رأسه،ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط. قد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام.
وأُتي له بعشائه في يوم من الأيام،وكان صائمًا،فقرأ قول الله تعالى: إن لدينا أنكالًا وجحيمًا وطعامًا ذا غصة وعذابًا أليمًا [المزمل:13] . فلم يزل يبكي حتى رفع طعامه وما تعشى.
ولما حضرت أبا هريرة الوفاة بكى،فقيل له: ما يبكيك،فقال: والله ما أبكي على دنياكم،ولكن أبكي لبعد المفازة،وقلة الزاد،وعقبة كؤود،وأنني أصبحت في صعود, المهبط منه إما إلى جنة وإما إلى نار. [2]
وهكذا الصالحون من هذه الأمة يحاسبون أنفسهم عن تقريطها،ويلومونها على تقصيرها،ويلزمونها التقوى،ونهونها عن الهوى عملًا بقول الله تعالى: { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) } [النازعات:40 - 41]
وَأَمَّا مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ سَيَقُومُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ،وَأَنَّهُ سَيُسْأَلُ عَنْ أَعْمَالِهِ،فَحَاذَرَ ذَلِكَ اليَوْمَ،وَحَسَبَ حِسَابَهُ،وَجَنَّبَ نَفْسَهُ الوُقُوعَ فِي المَحَارِمِ،وَالانْسِيَاقِ وَرَاءَ الهَوَى وَالشَّهَوَاتِ،فَتَكُونُ الجَنَّةُ جَزَاءَهُ،وَفِيهَا مَأْوَاهُ وَمَصِيرُهُ . [3]
4-المجاهدة:
لا بد أن يعلم المسلم أن أعدى أعدائه إليه هو نفسه التي بين جنبيه،وأنها بطبعها ميالة إلى الشر،فَرَّارَة من الخير،أمَّارة بالسوء:قال تعالى: ( وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ) سورة يوسف. تحب الدعة،والخلود إلى الراحة،وترغب في البطالة،وتنجرف مع الهوى،تستهويها الشهوات العاجلة وإن كان فيها حتفها وشقاءها .
(1) - حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ (1862 )
(2) - موسوعة خطب المنبر - (1 / 1180) -من أحوال الخاشعين - ونحن نذكر ذلك للاستئناس فقط
(3) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 5629)