كَثِيرًا،وَكَانَتْ فِيهِمُ الْأَوْجَاعُ وَكَانَتْ فِيهِمُ الْأَطِبَّاءُ،فَمَا بَقِيَ الْمُدَاوِي وَالْمُدَاوَى،وَقَالَ غَيْرُهُ:لَا النَّاعِتُ وَلَا الْمَنْعُوتُ لَهُ،وَقِيلَ لَهُ:أَلَا تُذَكِّرُ النَّاسَ،قَالَ:مَا أَنَا عَنْ نَفْسِي بِرَاضٍ،فَأَتَفَرَّغَ مِنْ ذَمِّهَا إِلَى ذَمِّ النَّاسِ،إِنَّ النَّاسَ خَافُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ،فِي ذُنُوبِ النَّاسِ وَأَصَرُّوا عَلَى ذُنُوبِهِمْ،قَالَ:فَقِيلَ لَهُ:كَيْفَ أَصْبَحْتَ ؟ قَالَ:أَصْبَحْنَا ضُعَفَاءَ مُذْنِبِينَ،نَأْكُلُ أَرْزَاقَنَا وَنَنْتَظِرُ آجَالَنَا قَالَ:وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ إِذَا رَآهُ قَالَ:وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ.أَمَا لَوْ رَآكَ مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - لَأَحَبَّكَ،وَكَانَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ يَقُولُ:أَمَّا بَعْدُ:فَأَعِدَّ زَادَكَ،وَخُذْ فِي جِهَازِكَ،وَكُنْ وَصِيَّ نَفْسِكَ.وَأَمَّا أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ،فَلَمْ يُجَالِسْ أَحَدًا قَطُّ فَتَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا،إِلَّا تَحَوَّلَ عَنْهُ،فَدَخَلَ ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ،فَنَظَرَ إِلَى قَوْمٍ قَدِ اجْتَمَعُوا،فَرْجَى أَنْ يَكُونُوا عَلَى ذِكْرٍ وَخَيْرٍ،فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ،فَإِذَا بَعْضُهُمْ يَقُولُ:قَدِمَ غُلَامٌ لِي فَأَصَابَ كَذَا وَكَذَا،وَقَالَ الْآخَرُ:جَهَّزْتُ غُلَامِي،فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ:سُبْحَانَ اللَّهِ أَتَدْرُونَ مَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ،كَرَجُلٍ أَصَابَهُ مَطَرٌ غَزِيرٌ وَابِلٌ،فَالْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِمِصْرَاعَيْنِ عَظِيمَيْنِ فَقَالَ:لَوْ دَخَلْتُ هَذَا حَتَّى يَذْهَبَ عَنِّي هَذَا الْمَطَرُ،فَدَخَلَ فَإِذَا الْبَيْتُ لَا سَقْفَ لَهُ،جَلَسْتُ إِلَيْكُمْ وَأَنَا أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا عَلَى خَيْرٍ،فَإِذَا أَنْتُمْ أَصْحَابُ دُنْيَا.قَالَ لَهُ قَائِلٌ حِينَ كَبُرَ وَرَقَّ:لَوْ قَصَرْتَ عَنْ بَعْضِ مَا تَصْنَعُ،فَقَالَ:أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَرْسَلْتُمُ الْخَيْلَ فِي الْحَلْبَةِ،أَلَسْتُمْ تَقُولُونَ لِفَارِسِهَا:وَدِّعْهَا وَأَرْفَقْ بِهَا حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ الْ غَايَةَ،فَلَا تَسْتَبْقِ مِنْهُ شَيْئًا،قَالُوا:بَلَى،قَالَ:فَإِنِّي قَدْ أَبْصَرْتُ الْغَايَةَ،وَإِنَّ لِكُلِّ سَاعٍ غَايَةً،وَغَايَةُ كُلِّ شَيْءٍ الْمَوْتُ،فَسَابِقٌ وَمَسْبُوقٌ.وَأَمَّا الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ،فَكَانَ مُجَاهِدًا فِي الْعِبَادَةِ،وَيَصُومُ حَتَّى يَصْفَرَّ جَسَدُهُ،وَيَخْضَرَّ،فَكَانَ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ يَقُولُ لَهُ:لِمَ تُعَذِّبُ هَذَا الْجَسَدَ هَذَا الْعَذَابَ،فَيَقُولُ:إِنَّ الْأَمْرَ جِدٌّ،كَرَامَةُ هَذَا الْجَسَدِ أُرِيدُ،فَلَمَّا احْتُضِرَ،بَكَى،فَقِيلَ لَهُ:مَا هَذَا الْجَزَعُ قَالَ:مَالِي لَا أَجْزَعَ،وَمَنْ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنِّي،وَاللَّهِ لَوْ أَتَيْتُ بِالْمَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ،لَهَمَّنِي الْحَيَاءُ مِنْهُ مِمَّا صَنَعْتُ،إِنَّ الرَّجُلَ لِيَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّجُلِ الذَّنْبُ الصَّغِيرُ،فَيَعْفُو عَنْهُ فَلَا يَزَالُ مُسْتَحِيًا مِنْهُ حَتَّى يَمُوتَ،وَلَقَدْ حَجَّ ثَمَانِينَ حَجَّةً.وَأَمَّا مَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ،فَإِنَّ امْرَأَتَهُ قَالَتْ:مَا كَانَ يُوجَدُ إِلَّا وَسَاقَيْهِ قَدِ انْتَفَخَتَا مِنْ طُولِ الصَّلَاةِ،قَالَتْ:وَإِنْ كُنْتُ وَاللَّهِ لِأَجْلِسَ خَلْفَهُ فَأَبْكِي رَحْمَةً لَهُ،فَلَمَّا احْتُضِرَ بَكَى،فَقِيلَ لَهُ:مَا هَذَا الْجَزَعُ ؟ فَقَالَ:وَمَالِي لَا أَجْزَعَ وَإِنَّمَا هِيَ سَاعَةٌ،ثُمَّ لَا أَدْرِي أَيْنَ يُسْلَكُ بِي.وَأَمَّا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ،فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ كَانَ أَطْوَلَ حُزْنًا مِنْهُ،مَا كُنَّا نَرَى إِلَّا أَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِمُصِيبَةٍ،ثُمَّ قَالَ:نَضْحَكُ وَلَا نَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى اطَّلَعَ عَلَى بَعْضِ أَعْمَالِنَا فَقَالَ:لَا أَقْبَلُ مِنْكُمْ شَيْئًا،وَيْحَكَ يَا ابْنَ آدَمَ،هَلْ لَكَ بِمُحَارَبِةِ اللَّهِ مِنْ طَاقَةٍ،إِنَّهُ مَنْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى،فَقَدْ حَارَبَهُ،وَاللَّهِ لَقَدْ أَدْرَكْتُ سَبْعِينَ بَدْرِيًّا أَكْثَرُ لِبَاسِهِمُ الصُّوفُ،وَلَوْ رَأَيْتُمُوهُمْ،لَقُلْتُمْ:مَجَانِينُ،وَلَوْ رَأَوْا خِيَارَكُمْ،لَقَالُوا:مَا لِهَؤُلَاءِ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ خَلَاقٍ،وَلَوْ رَأَوْا شِرَارَكُمْ لَقَالُوا:مَا يُؤْمِنُ هَؤُلَاءِ بِيَوْمِ الْحِسَابِ،وَلَقَدْ رَأَيْتُ إِخْوَانًا كَانَتِ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَى أَحَدِهِمْ مِنَ التُّرَابِ تَحْتَ قَدَمِهِ،وَلَقَدْ رَأَيْتُ أَقْوَامًا عَسَى أَنْ لَا يَجِدَ أَحَدُهُمْ عِشَاءً وَلَا قُوتًا،فَيَقُولُ:وَاللَّهِ،لَا أَجْعَلُ هَذَا كُلَّهُ فِي بَطْنِي،لَأَجْعَلَنَّ بَعْضَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ،فَيُتَصَدَّقُ بِبَعْضِهِ،وَإِنْ كَانَ هُوَ أَحْوَجَ مِمَّنْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ.قَالَ عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ:فَلَمَّا قَدِمَ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ