المُهَاجِرِينَ،وَيَتَمَنَّوْنَ لَهُمْ الخَيْرَ،كَمَا يَتَمَنَّوْنَهُ لأَنْفُسِهِمْ،وَقَدْ أَسْكَنُوا المُهَاجِرِينَ فِي دُورِهِمْ،وَأَشْرَكُوهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ حَتَّى نَزَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضِ نِسَائِهِ لِلْمُهَاجِرِينَ.وَقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ وَنُفُوسُهُمْ طَيِّيَةٌ،وَأَعْيُنُهُمْ قَرِيرَةٌ بِمَا يَفْعَلُونَ،لاَ يَجِدُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَسَدًا لِلْمُهَاجِرِينَ.وَلاَ ضِيقًا بِهِمْ لِمَا فَضَّلَهُمُ اللهُ بِهِ مِنَ المَنْزِلَةِ والشَّرَفِ وَالتَّقْدِيمِ فِي الذِّكْرِ والرُّتْبَةِ،وَلِمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ مَغْنَمِ بَنِي النَّضِيرِ دُونَهُمْ .وَهُمْ يُقَدِّمُونَ أَهْلَ الحَاجَةِ مِنَ المُهَاجِرِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ،وَيَبْدَؤُونَ بِالنَّاسِ قَبْلَ أَنْفُسِهِمْ فِي حَالِ احْتِيَاجِهِمْ إِلَى ذَلِكَ .وَمَنْ سَلِمَ مِنْ آفَةِ الحِرْصِ عَلَى المَالِ وَالبُخْلِ،فَقَدْ فَازَ وَأَفْلَحَ [1] .
وقال الله تعالى: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (274) سورة البقرة
يَمْدَحُ اللهُ تَعَالَى الذِينَ يُنْفِقُونَ فِي جَميعِ الأوْقَاتِ وَالأحْوالِ،فِي السِّرِّ وَالعَلاَنِيَةِ،وَهُمْ لاَ يَبْتَغُونَ مِنْ وَراءِ إنْفَاقِهِمْ إلا مَرْضَاةَ اللهِ فَهَؤُلاءِ لَهُمْ أجْرُهُمْ عَنْدَ رَبِّهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ،وَلا يَخَافُونَ هَوْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ،وَلاَ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا تَرَكُوا مِنْ لَذَائِذِ الدُّنيا . [2]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا،نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ،وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا،سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ،وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ،يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ،وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ،وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا،سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ،وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ،وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ،إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ،وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ،وَحَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ،وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَنْ عِنْدَهُ،وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ،لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ. أخرجه مسلم [3]
الصبر في جميع الأحوال:
قال الله تعالى: { وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) } [العصر:1-3] .
أقسم تعالى بالعصر،الذي هو الليل والنهار،محل أفعال العباد وأعمالهم أن كل إنسان خاسر،والخاسر ضد الرابح.والخسار مراتب متعددة متفاوتة:
قد يكون خسارًا مطلقًا،كحال من خسر الدنيا والآخرة،وفاته النعيم،واستحق الجحيم.
وقد يكون خاسرًا من بعض الوجوه دون بعض،ولهذا عمم الله الخسار لكل إنسان،إلا من اتصف
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 5013)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 281)
(3) - مسند أحمد (عالم الكتب) - (3 / 68) (7427) 7421- وصحيح مسلم- المكنز - (7028 )