فهرس الكتاب

الصفحة 516 من 670

وقالَ ابن بَطّال قَولُه:"فَسَيَرانِي فِي اليَقَظَة"يُرِيد تَصدِيق تِلكَ الرُّؤيا فِي اليَقَظَة وصِحَّتها وخُرُوجها عَلَى الحَقّ،ولَيسَ المُراد أَنَّهُ يَراهُ فِي الآخِرَة لأَنَّهُ سَيَراهُ يَوم القِيامَة فِي اليَقَظَة فَتَراهُ جَمِيع أُمَّته مَن رَآهُ فِي النَّوم ومَن لَم يَرَهُ مِنهُم.

وقالَ ابن التِّين:المُراد مَن آمَنَ بِهِ فِي حَياته ولَم يَرَهُ لِكَونِهِ حِينَئِذٍ غائِبًا عَنهُ فَيَكُون بِهَذا مُبَشِّرًا لِكُلِّ مَن آمَنَ بِهِ ولَم يَرَهُ أَنَّهُ لا بُدّ أَن يَراهُ فِي اليَقَظَة قَبل مَوته قالَهُ القَزّاز،وقالَ المازِرِيّ:إِن كانَ المَحفُوظ"فَكَأَنَّما رَآنِي فِي اليَقَظَة"فَمَعناهُ ظاهِر وإِن كانَ المَحفُوظ"فَسَيَرانِي فِي اليَقَظَة"احتَمَلَ أَن يَكُون أَرادَ أَهل عَصره مِمَّن يُهاجِر إِلَيهِ فَإِنَّهُ إِذا رَآهُ فِي المَنام جُعِلَ عَلامَة عَلَى أَنَّهُ يَراهُ بَعد ذَلِكَ فِي اليَقَظَة وأَوحَى الله بِذَلِكَ إِلَيهِ - صلى الله عليه وسلم - .

وقالَ القاضِي:وقِيلَ مَعناهُ سَيَرَى تَأوِيل تِلكَ الرُّؤيا فِي اليَقَظَة وصِحَّتها،وقِيلَ مَعنَى الرُّؤيا فِي اليَقَظَة أَنَّهُ سَيَراهُ فِي الآخِرَة وتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ فِي الآخِرَة يَراهُ جَمِيع أُمَّته مَن رَآهُ فِي المَنام ومَن لَم يَرَهُ يَعنِي فَلا يَبقَى لِخُصُوصِ رُؤيَته فِي المَنام مَزِيَّة،وأَجابَ القاضِي عِياض بِاحتِمالِ أَن تَكُون رُؤياهُ لَهُ فِي النَّوم عَلَى الصِّفَة الَّتِي عُرِفَ بِها ووُصِفَ عَلَيها مُوجِبَة لِتَكرِمَتِهِ فِي الآخِرَة وأَن يَراهُ رُؤيَة خاصَّة مِنَ القُرب مِنهُ والشَّفاعَة لَهُ بِعُلُوِّ الدَّرَجَة ونَحو ذَلِكَ مِنَ الخُصُوصِيّات،قالَ:ولا يَبعُد أَن يُعاقِب الله بَعض المُذنِبِينَ فِي القِيامَة بِمَنعِ رُؤيَة نَبِيّه - صلى الله عليه وسلم - مُدَّة.

وحَمَلَهُ ابن أَبِي جَمرَة عَلَى مَحمَل آخَر فَذَكَرَ عَن ابن عَبّاس أَو غَيره أَنَّهُ رَأَى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فِي النَّوم فَبَقِيَ بَعد أَن استَيقَظَ مُتَفَكِّرًا فِي هَذا الحَدِيث فَدَخَلَ عَلَى بَعض أُمَّهات المُؤمِنِينَ ولَعَلَّها خالَته مَيمُونَة فَأَخرَجَت لَهُ المِرآة الَّتِي كانَت لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَنَظَرَ فِيها فَرَأَى صُورَة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ولَم يَرَ صُورَة نَفسه.

ونُقِلَ عَن جَماعَة مِنَ الصّالِحِينَ أَنَّهُم رَأَوا النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فِي المَنام ثُمَّ رَأَوهُ بَعد ذَلِكَ فِي اليَقَظَة وسَأَلُوهُ عَن أَشياء كانُوا مِنها مُتَخَوِّفِينَ فَأَرشَدَهُم إِلَى طَرِيق تَفرِيجها فَجاءَ الأَمر كَذَلِكَ.

قُلت:وهَذا مُشكِل جِدًّا ولَو حُمِلَ عَلَى ظاهِره لَكانَ هَؤُلاءِ صَحابَةً ولأَمكَنَ بَقاء الصُّحبَة إِلَى يَوم القِيامَة،ويُعَكِّر عَلَيهِ أَنَّ جَمعًا جَمًّا رَأَوهُ فِي المَنام ثُمَّ لَم يَذكُر واحِدٌ مِنهُم أَنَّهُ رَآهُ فِي اليَقَظَة وخَبَر الصّادِق لا يَتَخَلَّف،وقَد اشتَدَّ إِنكار القُرطُبِيّ عَلَى مَن قالَ مَن رَآهُ فِي المَنام فَقَد رَأَى حَقِيقَته ثُمَّ يَراها كَذَلِكَ فِي اليَقَظَة كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا،وقَد تَفَطَّنَ ابن أَبِي جَمرَة لِهَذا فَأَحالَ بِما قالَ عَلَى كَرامات الأَولِياء فَإِن يَكُن كَذَلِكَ تَعَيَّنَ العُدُول عَن العُمُوم فِي كُلّ راءٍ،ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ عامّ فِي أَهل التَّوفِيق وأَمّا غَيرهم فَعَلَى الاحتِمال،فَإِنَّ خَرقَ العادَةِ قَد يَقَع لِلزِّندِيقِ بِطَرِيقِ الإِملاء والإِغواء كَما يَقَع لِلصِّدِّيقِ بِطَرِيقِ الكَرامَة والإِكرام،وإِنَّما تَحصُل التَّفرِقَة بَينهما بِاتِّباعِ الكِتاب والسُّنَّة انتَهَى.

والحاصِل مِنَ الأَجوِبَة سِتَّة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت