فهرس الكتاب

الصفحة 536 من 670

بقوم،أي رجال برجال،فلعلهم خير منهم عند اللّه،أو أن يسخر نساء من نساء فلعلهن خير منهن في ميزان اللّه.

وفي التعبير إيحاء خفي بأن القيم الظاهرة التي يراها الرجال في أنفسهم ويراها النساء في أنفسهن ليست هي القيم الحقيقية،التي يوزن بها الناس. فهناك قيم أخرى،قد تكون خافية عليهم،يعلمها اللّه،ويزن بها العباد.وقد يسخر الرجل الغني من الرجل الفقير. والرجل القوي من الرجل الضعيف،والرجل السوي من الرجل المؤوف. وقد يسخر الذكي الماهر من الساذج الخام. وقد يسخر ذو الأولاد من العقيم. وذو العصبية من اليتيم ...

وقد تسخر الجميلة من القبيحة،والشابة من العجوز،والمعتدلة من المشوهة،والغنية من الفقيرة .. ولكن هذه وأمثالها من قيم الأرض ليست هي المقياس،فميزان اللّه يرفع ويخفض بغير هذه الموازين! ولكن القرآن لا يكتفي بهذا الإيحاء،بل يستجيش عاطفة الأخوة الإيمانية،ويذكر الذين آمنوا بأنهم نفس واحدة من يلمزها فقد لمزها: «وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ» .. واللمز:العيب. ولكن للفظة جرسا وظلا فكأنما هي وخزة حسية لا عيبة معنوية! ومن السخرية واللمز التنابز بالألقاب التي يكرهها أصحابها،ويحسون فيها سخرية وعيبا. ومن حق المؤمن على المؤمن ألا يناديه بلقب يكرهه ويزري به - ومن أدب المؤمن ألا يؤذي أخاه بمثل هذا. وقد غير رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أسماء وألقابا كانت في الجاهلية لأصحابها،أحس فيها بحسه المرهف،وقلبه الكريم،بما يزري بأصحابها،أو يصفهم بوصف ذميم. والآية بعد الإيحاء بالقيم الحقيقة في ميزان اللّه،وبعد استجاشة شعور الأخوة،بل شعور الاندماج في نفس واحدة،تستثير معنى الإيمان،وتحذر المؤمنين من فقدان هذا الوصف الكريم،والفسوق عنه والانحراف بالسخرية واللمز والتنابز: «بِئْسَ الِاسْمُ:الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ» . فهو شيء يشبه الارتداد عن الإيمان! وتهدد باعتبار هذا ظلما،والظلم أحد التعبيرات عن الشرك: «وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» .. وبذلك تضع قواعد الأدب النفسي لذلك المجتمع الفاضل الكريم. [1]

وقال الله تعالى: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} (19) سورة لقمان

وَامشِ مُقْتَصِدًاَ فِي مَشْيِكَ،عَدْلًا وَسَطًا بَيْنَ البَطِيءِ المُتَثَبِّطِ،والسَّريعِ المُفْرِطِ،وَلا تُبَالِغْ فِي الكَلاَمِ،وَلا تَرْفَعَ صَوْتَكَ فِيمَا لا فَائِدَةَ مِنْهُ،وَحِينَما لاَ تَكُونَ هُنَاكَ حَاجَةٌ إِلى رَفْعِ الصَّوتِ،فَذَلِكَ يَكُونُ أَوْقَرَ لِلمُتَكَلِّمِ،وأَبْسَطَ لِنَفْسِ السَّامِعِ.ثُمَّ قَالَ لُقْمَانُ لاْبِنِهِ مُنَفِّرًا إِيَّاهُ مِنْ رَفْعِ صَوْتِهِ حِينَما لاَ يَكُونُ هُنَاكَ حَاجَةً لِذلِك:إِنَّ الحِمَارَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ عِندَ النَّهِيقِ،ولكِنَّ الصَّوْتَ الذِي يَصْدُرُ عَنْهُ قَبيحٌ مُنْكَرٌ،فَلاَ يَلِيقُ

(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (6 / 3344)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت