فهرس الكتاب

الصفحة 542 من 670

والإنكار.وإن اللّه ليعلم ما يكون من فرعون. ولكن الأخذ بالأسباب في الدعوات وغيرها لا بد منه. واللّه يحاسب الناس على ما يقع منهم بعد أن يقع في عالمهم. وهو عالم بأنه سيكون. فعلمه تعالى بمستقبل الحوادث كعلمه بالحاضر منها والماضي في درجة سواء.وإلى هنا كان الخطاب لموسى - عليه السلام - وكان المشهد هو مشهد المناجاة في الفلاة. وهنا يطوي السياق المسافات والأبعاد والأزمان،فإذا هارون مع موسى. وإذا هما معا يكشفان لربهما عن خوفهما من مواجهة فرعون،ومن التسرع في أذاه،ومن طغيانه إذا دعواه: «قالا:رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى.قالَ:لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى.فَأْتِياهُ فَقُولا:إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ. قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى.إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى» .وهارون لم يكن مع موسى قطعا في موقف المناجاة الطويل - الذي تفضل المنعم فيه على عبده،فأطال له فيه النجاء،وبسط له في القول،وأوسع له في السؤال والجواب - فردهما معا بقولهما: «إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى » لم يكن في موقف المناجاة. إنما هو السياق القرآني يطوي الزمان والمكان،ويترك فجوات بين مشاهد القصص،تعلم من السياق ليصل مباشرة إلى المواقف الحية الموحية ذات الأثر في سير القصص وفي وجدان الناس.ولقد اجتمع موسى وهارون عليهما السلام إذن بعد انصراف موسى من موقف المناجاة بجانب الطور.وأوحى اللّه إلى هارون بمشاركة أخيه في دعوة فرعون ثم هاهما ذان يتوجهان إلى ربهما بمخاوفهما: «قالا:رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى » ..والفرط هو التسرع بالأذى للوهلة الأولى،والطغيان أشمل من التسرع وأشمل من الأذى. وفرعون الجبار يومئذ لا يتحرج من أحدهما أو كليهما. هنا يجيئهما الرد الحاسم الذي لا خوف بعده،ولا خشية معه: «قالَ:لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى » ..إنني معكما .. إنه القوي الجبار الكبير المتعال. إنه اللّه القاهر فوق عباده. إنه موجد الأكوان والحيوات والأفراد والأشياء بقولة:كن. ولا زيادة .. إنه معهما .. وكان هذا الإجمال يكفي. ولكنه يزيدهما طمأنينة،ولمسا بالحس للمعونة: «أَسْمَعُ وَأَرى ..» فما يكون فرعون وما يملك وما يصنع حين يفرط أو يطغى؟ واللّه معهما يسمع ويرى؟ [1]

(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (4 / 2336)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت