جاء ليربط القلوب باللّه وليربط موازين القيم والأخلاق بميزان اللّه. جاء ليخرج العرب - ويخرج البشرية كلها - من حمية الجاهلية،ونعرة العصبية،وضغط المشاعر والانفعالات الشخصية والعائلية والعشائرية في مجال التعامل مع الأصدقاء والأعداء ..
وولد «الإنسان» من جديد في الجزيرة العربية .. ولد الإنسان الذي يتخلق بأخلاق اللّه .. وكان هذا هو المولد الجديد للعرب كما كان هو المولد الجديد للإنسان في سائر الأرض .. ولم يكن قبل الإسلام في الجزيرة إلا الجاهلية المتعصبة العمياء: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» . كذلك لم يكن في الأرض كلها إلا هذه الجاهلية المتعصبة العمياء!
والمسافة الشاسعة بين درك الجاهلية،وأفق الإسلام هي المسافة بين قول الجاهلية المأثور: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» . وقول اللّه العظيم: «وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا. وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى،وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ» .وشتان شتان! [1]
وعَنْ أَبِي مُوسَى،عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا،وَشَبَّكَ بَيْنَ أصَابِعِهِ.. متفق عليه [2] .
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} (38) سورة الشورى
وَهَؤُلاَءِ المُؤْمِنُونَ،الذِينَ أَعَدَّ لَهُم اللهُ تَعَالَى الثَّوَابَ والجَنَّةَ فِي الآيَاتِ السَّابِقَاتِ،هُمُ الذِينَ أَجَابُوا رَبَّهُم الكَرِيمَ إِلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيهِ مِنَ الإِيْمَانِ بِهِ،وَتوْحِيدِهِ وَإِطَاعَةِ أَوَامِرِهِ،وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ،وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ،وَأَدّوهَا حَقَّ أَدَائِهَا فِي أَوْقَاتِهَا،وَأَتَمُّوهَا بِرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا وَخُشُوعِهَا،وَلاَ يُبْرِمُونَ أَمْرًا حَتَّى يَتَشَاوَرُوا فِيهِ،وَيُدْلِي كُلٌّ بِرأْيِهِ لِيَتَبَيَّنَ لَهُمْ الهُدَى والصَّوَابُ فِيهِ.وَلِتَتَبَيَّنَ جَمِيعُ جَوانِبِ المَوْضُوعِ،فَلاَ يَنْتَكِسُ أَمْرُ المُسْلِمِينَ بِاسْتِبْدَادِ فَرْدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ فِي الرَّأْيِ.وَيُنْفِقُونَ مِمَّا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ فِي سَبِيلِ الخَيْرِ والبِرِّ،فِيمَا فِيهِ نَفْعُ الجَمَاعَةِ . [3]
وهنا في هذه الآيات يصور خصائص هذه الجماعة التي تطبعها وتميزها. ومع أن هذه الآيات مكية،نزلت قبل قيام الدولة المسلمة في المدينة،فإننا نجد فيها أن من صفة هذه الجماعة المسلمة: «وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ» ..مما يوحي بأن وضع الشورى أعمق في حياة المسلمين من مجرد أن تكون نظاما سياسيا للدولة،فهو طابع أساسي للجماعة كلها،يقوم عليه أمرها كجماعة،ثم يتسرب
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (2 / 839)
(2) - صحيح البخارى- المكنز - (481) وصحيح مسلم- المكنز - (6750)
(3) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 4189)