فهرس الكتاب

الصفحة 588 من 670

قَالَ بَعْضُ رُؤَسَاءِ اليَهُودِ لِبَعْضٍ:اذْهَبُوا إلَى مُحَمَّدٍ لَعَلَّنَا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ.فَأتَوْهُ فَقَالُوا:يَا مُحَمَّدُ إنَّكَ عَرَفْتَ أَنَّا أحْبَارُ يَهُودَ وَأشْرَافُهُمْ وَسَادَتُهُمْ،وَإِنَّا إنِ اتَّبَعَنَا يَهُودُ وَلَمْ يَحَالِفُونَا،وَإِنَّ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنَا خُصُومَةً،فَنُخَاصِمُهُمْ إلَيكَ فَتَقْضِي لَنَا عَلَيْهِمْ،وَنُؤْمِنُ لَكَ وَنُصَدِّقُكَ.فَأَبَى الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - ذَلِكَ وَأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ فِيهِمْ .

وَفِي هَذِهِ الآيَةِ يُؤَكِّدُ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولَهُ مِنَ الحُكْمِ بَيْنَ أَهْلِ الكِتَابِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ إلَيْهِ فِي القُرْآنِ،وَيُحَذِّرُهُ مِنْ أَنْ يَفْتِنَهُ اليَهُودُ،وَيَصْرِفُوهُ عَنِ الحَقِّ،وَيَأمُرُهُ بِألاَّ يَغْتَرَّ بِهِمْ،فَهُمْ كَذَبَةٌ كَفَرَةٌ.ثٌمَّ يَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ:فَإنْ أَعْرَضُوا عَنْ حُكْمِكَ بَعْدَ تَحَاكُمِهِمْ إلَيْكَ،فَاعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ عَنْ إِرَادَةِ اللهِ،وَمَشِيئَتِهِ،وَحِكْمَتِهِ فِيهِمْ،أنْ يَصْرِفَهُمْ عَنِ الهُدَى لِيُعَذِّبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا قَبْلَ الآخِرَةِ،وَإنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ خَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللهِ،مُخَالِفُونَ لِلْحَقِّ.أَيَتَوَلَّوْنَ عَنْ حُكْمِكَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ؟ فَهَلْ يُرِيدُونَ حُكْمًا كَحُكْمِ الجَاهِلِيَّةِ المَبْنِي عَلَى التَحَيُّزِ وَالهَوى،وَتَرْجِيحِ جَانِبِ القَويِّ عَلَى الضَّعِيفِ؟ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا،وَمَنْ أَعْدَلُ مِنْهُ فَصْلًا؟ لِمَنْ عَقَلَ شَرْعَ اللهِ وَآمَنَ بِهِ؟ [1]

فالتحذير هنا أشد وأدق وهو تصوير للأمر على حقيقته .. فهي فتنة يجب أن تحذر .. والأمر في هذا المجال لا يعدو أن يكون حكما بما أنزل اللّه كاملا أو أن يكون اتباعا للهوى وفتنة يحذر اللّه منها.

ثم يستمر السياق في تتبع الهواجس والخواطر فيهون على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أمرهم إذا لم يعجبهم هذا الاستمساك الكامل بالصغيرة قبل الكبيرة في هذه الشريعة،وإذا هم تولوا فلم يختاروا الإسلام دينا أو تولوا عن الاحتكام إلى شريعة اللّه (في ذلك الأوان حيث كان هناك تخيير قبل أن يصبح هذا حتما في دار الإسلام) : «فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ. وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ» .

فإن تولوا فلا عليك منهم ولا يفتنك هذا عن الاستمساك الكامل بحكم اللّه وشريعته. ولا تجعل إعراضهم يفت في عضدك أو يحولك عن موقفك .. فإنهم إنما يتولون ويعرضون لأن اللّه يريد أن يجزيهم على بعض ذنوبهم. فهم الذين سيصيبهم السوء بهذا الإعراض:لا أنت ولا شريعة اللّه ودينه ولا الصف المسلم المستمسك بدينه .. ثم إنها طبيعة البشر: «وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ» فهم يخرجون وينحرفون. لأنهم هكذا ولا حيلة لك في هذا الأمر،ولا ذنب للشريعة! ولا سبيل لاستقامتهم على الطريق! وبذلك يغلق كل منافذ الشيطان ومداخله إلى النفس المؤمنة ويأخذ الطريق على كل حجة وكل ذريعة لترك شيء من أحكام هذه الشريعة لغرض من الأغراض في ظرف من الظروف ..

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 719)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت