كَلَّمْتُهُ بِكَلِمَةٍ قَطُّ.فَقَالَ لَهُ أَبُو حَازِمٍ:صَدَقْتَ،إِنَّكَ نَسِيتَ اللهَ فَنَسِيتَنِي،وَلَوْ أَحْبَبْتَ اللهَ ؛ لأَحْبَبْتَنِي.قَالَ الزُّهْرِيُّ:أَتَشْتِمُنِي ؟ فَقَالَ سُلَيْمَانُ:بَلْ أَنْتَ شَتَمْتَ نَفْسَكَ،أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ لِلْجَارِ على جاره حَقًّا ؟ فَقَالَ أبَوُ حَازِمٍ:إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا كَانُوا عَلَى الصَّوَابِ،وَكَانَتِ الأُمَرَاءُ تَحْتَاجُ إِلَى الْعُلَمَاءِ ؛ فَكَانَتِ الْعُلَمَاءُ تَفِرُّ بِدِينِهَا مِنَ الأُمَرَاءِ،فَاسْتَغْنَتِ الأُمَرَاءُ عَنِ الْعُلَمَاءِ،وَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ ؛ فَشُغِلُوا وَانْتَكَسُوا،وَلَوْ كَانَ عُلَمَاؤُنَا هَؤُلاءِ يَصُونُونَ عِلْمَهُمْ لَمْ تَزَلِ الأُمَرَاءُ تَهَابُهُمْ.قَالَ الزُّهْرِيُّ:كَأَنَّكَ إِيَّايَ تُرِيدُ وَبِي تُعَرِّضُ ؟ ! قَالَ:هُوَ مَا تَسْمَعُ.قَالَ:وَقَدِمَ هِشَامٌ المدينة مرة أخرة،فَأَرْسَلَ إلى أَبِي حَازِمٍ،فَقَالَ لَهُ:يَا أَبَا حَازِمٍ ! عِظْنِي وَأَوْجِزْ.قَالَ أَبُو حَازِمٍ:اتَّقِ اللهَ ! وَازْهَدْ فِي الدُّنْيَا ؛ فَإِنَّ حَلالَهَا حِسَابٌ،وَحَرَامَهَا عَذَابٌ.قَالَ:لَقَدْ أَوْجَزْتَ يَا أَبَا حَازِمٍ.فَقَالَ لَهُ:يَا أَبَا حَازِمٍ ! ارْفَعْ حَوَائِجَكَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ.قَالَ أَبُو حَازِمٍ:هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ! قَدْ رَفَعْتُ حَوَائِجِي إِلَى مَنْ لا تُخْتَزَلِ الْحَوَائِجُ دُونَهُ ؛ فَمَا أَعْطَانِي مِنْهَا قَنِعْتُ بِهِ،وَمَا مَنَعَنِي مِنْهَا رَضِيتُ،وَقَدْ نَظَرْتُ فِي هَذَا الأَمْرِ ؛ فَإِذَا هُوَ نِصْفَانِ:أَحَدُهُمَا لِي،وَالآخَرُ لِغَيْرِي ؛ فَأَمَّا مَا كَانَ لِي ؛ فَلَوِ احْتَلْتُ فِيهِ بِكُلِّ حِيلَةٍ مَا وَصَلْتُ إِلَيْهِ قَبْلَ أَوَانِهِ الَّذِي قُدِّرَ لِي فِيهِ،وَأَمَّا الَّذِي لِغَيْرِي ؛ فَذَلِكَ الَّذِي لا أُطْمِعُ نَفْسِي فِيمَا مَضَى،وَلَمْ أطعمها فِيمَا بقي،وَكَمَا مُنِعَ غَيْرِي رِزْقِي كَذَلِكَ مُنِعْتُ رِزْقَ غَيْرِي ؛ فَعَلَى مَا أَقْتُلُ نَفْسِي ؟ ! [1]
عدم التعصب للرأي:
قال الله تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} (26) سورة ص
قَالَ اللهُ تَعَالَى لِدَاوُدَ:إِنَّهُ جَعَلَهُ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ،نَافِذَ الكَلِمَةِ والحُكْمِ بَينَ الرَّعِيَّةِ،فَعَلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ بَينَ النَّاسِ بِالحَقِّ وَالعَدْلِ،وَأَنْ لاَ يَتَّبعَ الهَوَى لأَنَّ اتِّبَاعَ الهَوَى يَكُونُ سَبَبًا لِلضَّلاَلَةِ وَالجَوْرِ عَنِ الطَّرِيقِ القَويمِ الذِي شَرَعَهُ اللهُ تَعَالَى .ثَمَّ يَقُولُ تَعَالَى:إِنَّ الذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَهُدَاهُ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ ( يَوْمَ الحِسَابِ ) عَذَابٌ شَدِيدٌ لِنِسْيَانِهِمْ ذَلِكَ اليَومَ،وَإِنَّ الله سَيُحَاسِبُ العِبَادَ فِيهِ عَلَى أَعَمَالِهِمْ جَمِيعًا،صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا . [2]
وقال الله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) } [المائدة:49،50]
(1) - المجالسة وجواهر العلم - (8 / 151) ( 3456 ) وسُنَنُ الدَّارِمِيِّ (685 ) وحلية الأولياء (4010) من طرق صحيح لغيره
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 3875)