فهرس الكتاب

الصفحة 586 من 670

نَاسًا أَخَذُوا هَذَا الأَمْرَ مِنْ غَيْرِ مُشَاوَرَةٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَلا إِجْمَاعٍ مِنْ رَأْيِهِمْ،فَسَفَكُوا فِيهَا الدِّمَاءَ عَلَى طَلَبِ الدُّنْيَا،ثُمَّ ارْتَحَلُوا عَنْهَا،فَلَيْتَ شِعْرِي مَا قَالُوا وَمَا قِيلَ لَهُمْ ؟ ! فَقَالَ بَعْضُ جُلَسَائِهِ:بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا شَيْخُ:فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ:كَذَبْتَ ! إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَخَذَ عَلَى الْعُلَمَاءِ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا يَكْتُمُونَهُ.فَقَالَ سُلَيْمَانُ:يَا أَبَا حَازِمٍ ! كَيْفَ لَنَا أَنْ نَصْلُحَ ؟ فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ:تَدَعُوا التَّكَلُّفَ،وَتَتَمَسَّكُوا بِالْمُرُوءَةِ.فَقَالَ سُلَيْمَانُ:يَا أَبَا حَازِمٍ ! كَيْفَ الْمَأْخَذُ لِذَلِكَ ؟ قَالَ أَبُو حَازِمٍ:تَأْخُذُهُ مِنْ حَقِّهِ وَتَضَعُهُ فِي أَهْلِهِ.فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ:اصْحَبْنَا يَا أَبَا حَازِمٍ وَتُصِيبُ مِنَّا وَنُصِيبُ مِنْكَ.فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ:أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ ذلك.فقال سُلَيْمَانُ:وَلِمَ ؟ قَالَ:أَخَافُ أَنْ أَرْكَنَ إِلَيْكُمْ شَيْئًا قَلِيلا فَيُذِيقَنِي ضَعْفُ الْحَيَاةِ وَضَعْفُ الْمَمَاتِ.فَقَالَ سُلَيْمَانُ:فَأَشِرْ عَلَيَّ يَا أَبَا حَازِمٍ.فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ:اتَّقِ أَنْ يَرَاكَ حَيْثُ نَهَاكَ،وَأَنْ يَفْقِدَكَ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكَ.قَالَ سُلَيْمَانُ:يَا أَبَا حَازِمٍ ! ادْعُ لنا بخير.فقال أَبُو حَازِمٍ:اللهُمَّ إِنْ كَانَ سُلَيْمَانُ وَلِيَّكَ ؛ فَيَسِّرْهُ لِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ،وَإِنْ كَانَ عَدُوَّكَ ؛ فَخُذْ إِلَى الْخَيْرِ بِنَاصِيَتِهِ.قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ:عِظْ.قَالَ:قَدْ أَوْجَزْتَ،إِنْ كُنْتَ وَلِيَّهُ،وَإِنْ كُنْتَ عَدُوَّهُ ؛ فَمَا يَنْفَعُكَ أَنْ أَرْمِيَ عَنْ قَوْسٍ بِغَيْرِ وَتَرٍ.فَقَالَ سُلَيْمَانُ:يَا غُلامُ ! إِيتْ بمئة دِينَارٍ.ثُمَّ قَالَ:خُذْهَا يَا أَبَا حَازِمٍ.فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ:لا حَاجَةَ لِي بِهَا،إِنِّي أَخَافُ أن يكون لِمَا سَمِعْتَ مِنْ كَلامِي،إِنَّ مُوسَى [ - صلى الله عليه وسلم - ] لَمَّا هَرَبَ مِنْ فِرْعَوْنَ وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ،وَجَدَ عَلَيْهَا الْجَارِيَتَيْنِ تَذُودَانِ،فَقَالَ:مَا لَكُمَا عَوْنٌ ؟ قَالَتَا:لا.فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ،فَقَالَ: { رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خير فقير } [ القصص:24 ] ،وَلَمْ يَسَلِ اللهَ أَجْرًا عَلَى دِينِهِ،فَلَمَّا أَعْجَلَ بِالْجَارِيَتَيْنِ الانْصِرَافُ ؛ أَنْكَرَ ذَلِكَ أَبُوهُمَا،وَقَالَ:مَا أَعْجَلُكُمَا الْيَوْمَ ؟ ! قَالَتَا:وَجَدْنَا رَجُلا صَالِحًا فَسَقَى لَنَا.فَقَالَ:فَمَا سَمِعْتُمَاهُ يَقُولُ ؟ قَالَ:قَالَتَا:سَمِعْنَاهُ يَقُولُ: { رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ من خير فقير } [ القصص:24 ] .قَالَ:يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا جَائِعًا،تَنْطَلِقُ إِلَيْهِ إِحْدَاكُمَا فَتَقُولُ لَهُ:إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا.فَأَتَتْهُ تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ - قَالَ:عَلَى إِجْلالٍ - ؛ قَالَتْ:إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا.قَالَ:فَجَزِعَ مِنْ ذَلِكَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ،وَكَانَ طَرِيدًا فِي فَيَافِي الصَّحْرَاءِ،فَأَقْبَلَ وَالْجَارِيَةُ أَمَامَهُ،فَهَبَّتِ الرِّيحُ،فوصفتها له،وكانت ذا خُلُقٍ، [ فَقَالَ لَهَا:كُونِي خَلْفِي ] ،وَأَرِينِي السَّمْتَ.فَلَمَّا بَلَغَ الْبَابَ دَخَلَ،إِذَا طَعَامٌ مَوْضُوعٌ،فَقَالَ لَهُ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ:أَصِبْ يَا فَتًى مِنْ هَذَا الطَّعَامِ.قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ:أَعُوذُ بِاللهِ.قَالَ شُعَيْبٌ:وَلِمَ ؟ قَالَ مُوسَى:لأَنَّا فِي [ أَهْلِ ] بَيْتٍ لا نَبِيعُ دِينَنَا بِمِلْءِ الأَرْضِ ذَهَبًا.قَالَ شُعَيْبٌ:لا وَاللهِ ! وَلَكِنَّهَا عَادَتِي وَعَادَةُ آبَائِي،نُطْعِمُ الطَّعَامَ وَنُقْرِي الضَّيْفَ.فَجَلَسَ مُوسَى،فَأَكَلَ،فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الدَّنَانِيرُ عِوَضًا لِمَا سَمِعْتَ مِنْ كَلامِي،فَلأَنْ أَرَى أَكْلَ الْمَيْتَةِ وَالدَّمَ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ آخُذَهَا.فَكَأَنَّ سُلَيْمَانَ أُعْجِبَ بِأَبِي حَازِمٍ.فَقَالَ بَعْضُ جُلَسَائِهِ:يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! أَيَسُرُّكَ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ مِثْلُهُ ؟ قَالَ الزُّهْرِيُّ:إِنَّهُ لَجَارِي مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً،مَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت