الْخَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيَّ عَلَى مَنْ حَالَ الْحَقُّ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ فَلَا تُمْهِلْنِي طَرْفَةَ عَيْنٍ"يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ،إِنَّ أَشَدَّ الشِّدَّةِ الْقِيَامُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ،وَإِنَّ أَكْرَمَ الْكَرَمِ عِنْدَ اللهِ التَّقْوَى،وَإِنَّ مَنْ طَلَبَ الْعِزَّ بِطَاعَةِ اللهِ رَفَعَهُ وَأَعَزَّهُ،وَمَنْ طَلَبَهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ أَذَلَّهُ اللهُ وَوَضَعَهُ،فَهَذِهِ نَصِيحَتِي وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ،ثُمَّ نَهَضْتُ،فَقَالَ: إِلَى أَيْنَ ؟ فَقُلْتُ: إِلَى الْبَلَدِ وَالْوَطَنِ بِإِذْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ شَاءَ اللهُ،قَالَ:"قَدْ أَذِنْتُ لَكَ،وَشَكَرْتُ لَكَ نَصِيحَتَكَ وَقَبِلْتُهَا بِقَوْلِهَا،وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُوَفَّقُ لِلْخَيْرِ وَالْمُعِينُ عَلَيْهِ،وَبِهِ أَسْتَعِينُ وَعَلَيْهِ أَتَوَكَّلُ،وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ،فَلَا تُخْلِنِي مِنْ مُطَالَعَتِكَ إِيَّايَ بِمِثْلِهَا،فَإِنَّكَ الْمَقْبُولُ الْقَوْلِ غَيْرُ الْمُتَّهَمِ فِي نَصِيحَتِهِ،قُلْتُ: أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللهُ،قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ: فَأَمَرَ لَهُ بِمَالٍ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى خُرُوجِهِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ،وَقَالَ: أَنَا فِي غِنًى عَنْهُ،وَمَا كُنْتُ أَبِيعُ نَصِيحَتِي بِعَرَضٍ مِنْ أَعْرَاضِ الدُّنْيَا كُلِّهَا،وَعَرَفَ الْمَنْصُورُ مَذْهَبَهُ فَلَمْ يَجِدْ عَلَيْهِ فِي رَدِّهِ" [1] "
وعَنْ أَبِي حَازِمٍ ؛ قَالَ:دَخَلَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَدِينَةَ،فَأَقَامَ بِهَا ثَلاثًا،فَقَالَ:مَا هَا هُنَا رَجُلٌ مِمَّنْ أَدْرَكَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يُحَدِّثُنَا ؟ فَقِيلَ لَهُ:بَلَى،هَا هُنَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ:أَبُو حَازِمٍ.فَبَعَثَ إِلَيْهِ،فَجَاءَهُ،فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ:يَا أَبَا حَازِمٍ ! مَا هَذَا الْجَفَاءُ ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو حَازِمٍ:وَأَيَّ جَفَاءٍ رَأَيْتَ مِنِّي ؟ فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ:أَتَانِي وُجُوهُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كُلُّهُمْ وَلَمْ تَأْتِنِي.فَقَالَ لَهُ:أُعِيذُكَ بِاللهِ أَنْ تَقُولَ مَا لَمْ يَكُنْ،مَا جَرَى بَيْنِي وَبَيْنَكَ مَعْرِفَةٌ آتِيكَ عَلَيْهَا.فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ:صَدَقَ الشَّيْخُ.فَقَالَ سُلَيْمَانُ:يَا أَبَا حَازِمٍ ! مَا لَنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ ؟ فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ:لأَنَّكُمْ أَخْرَبْتُمُ آخِرَتَكُمْ،وَعَمَّرْتُمْ دُنْيَاكُمْ ؛ فَأَنْتُمْ تَكْرَهُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا مِنَ الْعُمْرَانِ إِلَى الْخَرَابِ.قَالَ:صَدَقْتَ يَا أَبَا حَازِمٍ،فَكَيْفَ الْقُدُومُ ؟ قَالَ:أَمَّا الْمُحْسِنُ ؛ فَكَالْغَائِبِ يُقْدِمُ عَلَى أهله،وما الْمُسِيءُ ؛ فَكَالآبِقِ يُقْدِمُ عَلَى مَوْلاهُ.قَالَ:فَبَكَى سُلَيْمَانُ،وَقَالَ:لَيْتَ شِعْرِي ! مَا لَنَا عِنْدَ اللهِ يَا أَبَا حَازِمٍ ؟ فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ:اعْرِضْ نَفْسَكَ عَلَى كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ تَعْلَمْ مَا لَكَ عِنْدَ اللهِ.فَقَالَ:يَا أَبَا حَازِمٍ ! أَيْنَ نُصِيبُ تِلْكَ مِنْ الْمَعْرِفَةِ مِنْ كِتَابِ اللهِ ؟ فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ:عِنْدَ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ( إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ( 13 ) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ( 14 ) ) [ الانفطار:13 - 14 ] .فَقَالَ سُلَيْمَانُ:يَا أَبَا حَازِمٍ ! فَأَيْنَ رَحْمَةُ اللهِ ؟ قَالَ أَبُو حَازِمٍ: { قَرِيبٌ من المحسنين } [ الأعراف:56 ] .قَالَ سُلَيْمَانُ:يَا أَبَا حَازِمٍ ! مَنْ أَعْقَلُ النَّاسِ ؟ فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ:مَنْ تَعَلَّمَ الْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهَا النَّاسَ.فَقَالَ سُلَيْمَانُ:فَمَنْ أَحْمَقُ النَّاسِ ؟ قَالَ أَبُو حَازِمٍ:مَنْ حَطَّ فِي هَوَى رَجُلٍ وَهُوَ ظَالِمٌ فَبَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ.فَقَالَ سُلَيْمَانُ:يَا أَبَا حَازِمٍ ! مَا أَسْمَعُ الدُّعَاءِ ؟ قَالَ أَبُو حَازِمٍ:دُعَاءُ الْمُخْبِتِينَ [ إِلَيْهِ ] .قَالَ سُلَيْمَانُ:يَا أَبَا حَازِمٍ ! فَمَا أَزْكَى الصَّدَقَةُ ؟ فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ:جُهْدُ الْمُقِلِّ.فَقَالَ سُلَيْمَانُ:يَا أَبَا حَازِمٍ ! مَا تَقُولُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ ؟ فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ:اعْفِنَا مِنْ هَذَا.قَال سُلَيْمَانُ:نَصِيحَةٌ بَلَّغْتَهَا.فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ:إِنَّ
(1) - شعب الإيمان - (9 / 505) (7024 ) فيه لين