فهرس الكتاب

الصفحة 618 من 670

واسْتَعْمِلْ مَا وَهَبكَ اللهُ مِنَ المَالِ الجَزيلِ،والنَّعمَةِ الطَّائِلَةِ،في طَاعَةِ رَبِّكَ،والتَّقَرُّبِ إليهِ،ولا تَنْسَ حَظَّكَ ( نَصِيبَكَ ) مِنَ الدُّنيا،ممَّا أَبَاحَهُ اللهُ فيها لِعِبادِهِ،مِنَ المَآكِلِ والمَشَارِبِ والمَلاَبِسِ وغَيرها.. فإِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيكَ حَقًّا،وَلِنَفَسِكَ عَليكَ حَقًّا،..فَآتِ كُلِّ ذي حقٍّ حَقَّهُ.وأحْسِنْ إِلى خَلْقِ اللهِ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ ولا يَكنْ هَمُّكَ الإِفسَادَ في الأَرضِ،والإِساءَةَ إلى خَلْقِ اللهِ،إنّ الله لاَ يُحِبُّ المُفْسِدِينَ . [1]

وفي هذا يتمثل اعتدال المنهج الإلهي القويم. المنهج الذي يعلق قلب واجد المال بالآخرة. ولا يحرمه أن يأخذ بقسط من المتاع في هذه الحياة. بل يحضه على هذا ويكلفه إياه تكليفا،كي لا يتزهد الزهد الذي يهمل الحياة ويضعفها.

لقد خلق اللّه طيبات الحياة ليستمتع بها الناس وليعملوا في الأرض لتوفيرها وتحصيلها،فتنمو الحياة وتتجدد،وتتحقق خلافة الإنسان في هذه الأرض. ذلك على أن تكون وجهتهم في هذا المتاع هي الآخرة،فلا ينحرفون عن طريقها،ولا يشغلون بالمتاع عن تكاليفها. والمتاع في هذه الحالة لون من ألوان الشكر للمنعم،وتقبل لعطاياه،وانتفاع بها. فهو طاعة من الطاعات يجزي عليها اللّه بالحسنى.

وهكذا يحقق هذا المنهج التعادل والتناسق في حياة الإنسان،ويمكنه من الارتقاء الروحي الدائم من خلال حياته الطبيعية المتعادلة،التي لا حرمان فيها،ولا إهدار لمقومات الحياة الفطرية البسيطة.

«وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ» .. فهذا المال هبة من اللّه وإحسان. فليقابل بالإحسان فيه. إحسان التقبل وإحسان التصرف،والإحسان به إلى الخلق،وإحسان الشعور بالنعمة،وإحسان الشكران.

«وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ» .. الفساد بالبغي والظلم. والفساد بالمتاع المطلق من مراقبة اللّه ومراعاة الآخرة.

والفساد بملء صدور الناس بالحرج والحسد والبغضاء. والفساد بإنفاق المال في غير وجهه أو إمساكه عن وجهه على كل حال.

«إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» .. كما أنه لا يحب الفرحين. [2]

وقد أمر الله -سبحانه- بالعمل والسعي في الأرض والأكل من رزق الله،فقال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } (15) سورة الملك

وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي سَخَّرَ الأَرْضَ لِلْعِبَادِ،وَجَعَلَهَا مُذَلَّلَةً سَاكِنَةً،وَأَرْسَاهَا بِالجِبَالِ لِكَيْلاَ تَضْطَرِبِ وَتَمِيدَ بِمَنْ عَلَيهَا مِنَ الخَلاَئِقِ،وَأَخْرَجَ مِنْهَا المِيَاهَ،وَسَلَكَهَا فِي الأَرْضِ جَدَاوِلَ وَأَنْهَارًا،لِيَنْتَفِعَ بِهَا الخَلْقُ فِي الشُّرْبِ،وَفِي رَيِّ زُرُوعِهِمْ وَأَنْعَامِهِمْ،وَجَعَلَ فِي الأَرْضِ سُبُلًا،فَسَافِرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ فِي أَرْجَائِهَا حَيْثُ شِئْتُمُ،وَتَرَدَّدُوا فِي أَرْجَائِهَا وَأَقَالِيمِهَا طَلَبًا لِلرِّزْقِ وَالتِّجَارَةِ،وَكُلُوا مِمَّا أَخْرَجَهُ لَكُمْ مِنْهَا مِنَ الرِّزْقِ،وَإِلَى اللهِ مَرْجِعُ الأَمْرِ،وَإِليهِ يَصِيرُ الخَلْقُ يَوْمَ القِيَامَةِ لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ جَمِيعًا

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 3211)

(2) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (5 / 2711)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت