فهرس الكتاب

الصفحة 641 من 670

فهو أبدا متهم لنفسه لا يتسامح معها،ولا يسوغ لها خطأها،يغلب عليه شعور التفريط في جنب الله،والتقصير في حقوق عباد الله.

وهو يعمل الخير،ويجتهد في الطاعة،ويقول: أخشى أن لا يقبل مني. فإنما يتقبل الله من المتقين،وما يدريني أني منهم؟!

وهو في الجانب المقابل يلتمس المعاذير لخلق الله،وخصوصا لإخوانه والعاملين معه لنصرة دين الله،فهو يقول ما قال بعض السلف الصالح: ألتمس لأخي من عذر إلى سبعين،ثم أقول: لعل له عذرا آخر لا أعرفه!

وإن من أعظم شعب الإيمان حسن الظن بالله،وحسن الظن بالناس،وفي مقابلهما: سوء الظن بالله،وسوء الظن بعباد الله.

إن سوء الظن من خصال الشر التي حذر منها القرآن والسُّنَّة،فالأصل حمل المسلم على الصلاح،وأن لا تظن به إلا خيرا،وأن تحمل ما يصدر منه على أحسن الوجوه،وإن بدا ضعفها،تغليبا لجانب الخير على جانب الشر.

والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} (12) سورة الحجرات،والمراد به: ظن السوء الذي لم يقم عليه دليل حاسم.

وعَنِ الأَعْرَجِ قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَأْثُرُ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ،فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ،وَلاَ تَجَسَّسُوا،وَلاَ تَحَسَّسُوا،وَلاَ تَبَاغَضُوا،وَكُونُوا إِخْوَانًا » [1] .

والمفروض في المسلم إذا سمع شرا عن أخيه أن يطرد عن نفسه تصور أي سوء عنه،وأن لا يظن به إلا خيرا،كما قال تعالى في سياق حديث الإفك: { لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ} (12) سورة النور.

وما أصدق ما قاله الشاعر هنا:

تأن ولا تعجل بلومك صاحبا لعل له عذرا وأنت تلوم!

ومن أجل هذا يعجب المرء غاية العجب،ويتألم كل الألم،إذا وجد بعض العاملين للإسلام يتهم بعضهم بالعمالة أو الخيانة،جريا وراء العلمانيين وأعداء الإسلام فيقول أحدهم عن الآخر: هذا عميل للغرب أو للشرق أو للنظام الفلاني،لمجرد أنه خالفه في رأي أو في موقف،أو في اتخاذ وسيلة للعمل مخالفة له،ومثل هذا لا يجوز بحال لمن فقه عن الله ورسوله.

2-ترك الطعن والتجريح للمخالفين:

(1) - صحيح البخارى (5143)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت