الإصغاء إلى الآخرين فن قَلَّ من يجيده،فأكثرنا يجيد الحديث أكثر من الاستماع،والله سبحانه وتعالى جعل لك لسانًا واحدًا،وجعل لك أذنين حتى تسمع أكثر مما تتكلم،فلابد أن تستمع جيدًا،وأن تستوعب جيدًا ما يقوله الآخرون.
ووضع أذنك للمحدِّث،وحملقة عينيك بوجهه،وتأملك لما قال،يمكن أن يكون دليلًا على قوتك،وقدرتك على الحوار،وإذا وجدت ملاحظات،فيمكن أن تسجلها في ورقة لتتحدث فيها بعدما ينتهي من حديثه.
وهكذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - ،فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ،قَالَ:اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ يَوْمًا،فَقَالُوا:اُنْظُرُوا أَعْلَمَكُمْ بِالسِّحْرِ وَالْكِهَانَةِ وَالشِّعْرِ،فَلْيَأْتِ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي فَرَّقَ جَمَاعَتَنَا،وَشَتَّتْ أَمْرَنَا،وَعَابَ دِينَنَا،فَلْيُكَلِّمْهُ،وَلْيَنْظُرْ مَاذَا يَرُدُّ عَلَيْهِ،فَقَالُوا:مَا نَعْلَمُ أَحَدًا غَيْرَ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ،فَقَالُوا:أَنْتَ يَا أَبَا الْوَلِيد.
فَأَتَاهُ عُتْبَةُ،فَقَالَ:يَا مُحَمَّدُ،أَنْتَ خَيْرٌ،أَمْ عَبْدُ اللهِ ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،ثُمَّ قَالَ:أَنْتَ خَيْرٌ،أَمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَقَالَ:إِنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ هَؤُلاَءِ خَيْرٌ مِنْك،فَقَدْ عَبَدُوا الآلِهَةَ الَّتِي عِبْتَ،وَإِنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أَنَّك خَيْرٌ مِنْهُمْ فَتَكَلَّمْ حَتَّى نَسْمَعَ قَوْلَك،إِنَّا وَاللهِ مَا رَأَيْنَا سَخْلَةً قَطُّ أَشْأَمَ عَلَى قَوْمِهِ مِنْك،فَرَّقْتَ جَمَاعَتَنَا،وَشَتَّتَ أَمْرَنَا،وَعِبْتَ دِينَنَا،وَفَضَحْتَنَا فِي الْعَرَبِ،حَتَّى لَقَدْ طَارَ فِيهِمْ أَنَّ فِي قُرَيْشٍ سَاحِرًا،وَأَنَّ فِي قُرَيْشٍ كَاهِنًا،وَاللهِ مَا نَنْتَظِرُ إِلاَّ مِثْلَ صَيْحَةِ الْحُبْلَى،أَنْ يَقُومَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ بِالسُّيُوفِ حَتَّى نَتَفَانَى. أَيُّهَا الرَّجُلُ،إِنْ كَانَ إِنَّمَا بِكَ الْبَاءَةُ،فَاخْتَرْ أَيَّ نِسَاءِ قُرَيْشٍ فَلْنُزَوِّجُك عَشْرًا،وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا بِكَ الْحَاجَةُ،جَمَعْنَا لَك حَتَّى تَكُونَ أَغْنَى قُرَيْشٍ رَجُلًا وَاحِدًا،فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: أَفَرَغْتَ ؟ قَالَ:نَعَمْ،فَقَرَأَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: بسم الله الرَّحْمَن الرحيم {حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَن الرَّحِيمِ} حَتَّى بَلَغَ: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثُمَّودَ ْ} ،فَقَالَ لَهُ عُتْبَةُ:حَسْبُك حَسْبُك،مَا عِنْدَكَ غَيْرُ هَذَا ؟ قَالَ:لاَ،فَرَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ،فَقَالُوا:مَا وَرَاءَك ؟ قَالَ:مَا تَرَكْتُ شَيْئًا أَرَى أَنَّكُمْ تُكَلِّمُونَهُ بِهِ إِلاَّ وَقَدْ كَلَّمْتُهُ بِهِ،فَقَالُوا:فَهَلْ أَجَابَك ؟ قَالَ:نَعَمْ ؛ قَالَ:لاَ،وَالَّذِي نَصَبَهَا بَيِّنَةً مَا فَهِمْتُ شَيْئًا مِمَا قَالَ،غَيْرَ أَنَّهُ أَنْذَرَكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثُمَّودَ،قَالُوا:وَيْلَك،يُكَلِّمُك رَجُلٌ بِالْعَرَبِيَّةِ لاَ تَدْرِي مَا قَالَ،قَالَ:لاَ وَاللهِ،مَا فَهِمْتُ شَيْئًا مِمَا قَالَ غَيْرَ ذِكْرِ الصَّاعِقَةِ." [1] "
8-الإنصاف:
وهو أن تكون الحقيقة ضالتك المنشودة،تبحث عنها في كل مكان،وفي كل عقل.
جرِّد نفسك،ولا تبالِ بالناس رضوا أم سخطوا،وكن باحثًا عن الحقيقة،وليعلم ربك من قلبك أنه ليس في قلبك إلا محبة الله تعالى،ومحبة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ،وحب الحق الذي يحبه الله ورسوله.
فلتستخلص الحق من خصمك،ولو من بين ركام الباطل الكثير الذي ربما جاء به.
وربما أجرى الله تعالى كلمة الحق على لسان الفاسق،أو حتى على لسان الكافر -أحيانًا-،فيمكن أن تستفيد من المحاور ولو كان فاسقًا أو كافرًا،فقد تستفيد منه عيبًا موجودًا عندك أو عند المسلمين،أو تستفيد منه مصلحة دنيوية للمسلمين،أو أسلوبًا من أساليب الدعوة إلى الله تعالى،ربما فطن له هو،وغفلت أنت عنه.
(1) - مصنف ابن أبي شيبة - (20 / 236) (37715) حسن