فهرس الكتاب

الصفحة 653 من 670

وللشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله كلمة حكيمة جميلة،يقول فيها معبِّرًا عن رد الحق عند الكثيرين:"إن الذين لديهم ذكاء حاد لا يقبلون الصواب غالبًا إلا إذا كان من عند أنفسهم؛ وذلك أن الله تعالى أعطاهم قدرات وطاقات عالية،وُفِّقوا بسببها إلى كثير من الحق الذي أخطأ فيه الناس؛ ولذلك فلديهم من الثقة بآرائهم وعدم الثقة بآراء الآخرين،ما يصعب معه على الناس إقناعهم بغير الآراء التي يرون هم".

إن الاعتراف بالحق وإعلانه -أيضًا- لا ينقص من قيمة الإنسان،فكونك تقول في مناظرة أو محاورة أو محاضرة: أنا أخطأت في كذا،هذا لا يعيبك؛ بل هذا يرفع منزلتك عند الناس،ويدل على شجاعتك وقوتك،وثقتك بنفسك.

9-البدء بمواضع الاتفاق والإجماع والمسلَّمات والبدهيات:

فمن المصلحة ألا تبدأ الحوار بقضية مختلف فيها؛ بل ابدأ بموضوع متفق عليه،أو بقاعدة كلية مسلَّمة أو بدهية،وتدرج منها إلى ما يشبهها أو يقاربها،ثم إلى مواضع الخلاف.

فممَّا يذكر عن سقراط -وهو أحد حكماء اليونان-،أنه كان يبدأ مع خصمه بنقاط الاتفاق بينهما،ويسأله أسئلة لا يملك الخصم أن يجيبه عليها إلا بنعم،ويظل ينقله إلى الجواب تلو الآخر،حتى يرى المناظر أنه أصبح يُقر بفكرة كان يرفضها من قبل.

وأضرب مثالًا على قضية الانتقال من الكليات إلى الجزئيات،أو من المسلَّمات إلى غير المسلمات:

قد يخاصمك إنسان في قضية أساليب الدعوة إلى الله تعالى،هل هي توقيفية،أي لابد أن يكون فيه نص على أسلوب الدعوة؟ أم أنها أساليب اجتهادية متجددة،يمكن أن آخذ بأي أسلوب،ولو لم يكن منصوصًا عليه،إذا لم يكن هذا الأسلوب حرامًا؟

مثال: النشيد،قد يقول قائل: إن النشيد أسلوب من أساليب الدعوة،ويقول آخر: لا. أساليب الدعوة توقيفية،والنشيد ما ورد في الكتاب ولا في السنة،فلا يجوز استخدام النشيد كأسلوب من أساليب الدعوة،وهذا يختلف فيه بعض العلماء والدعاة في هذا العصر،ويتحاورون فيه.

والنقاش حول مشروعية النشيد كأسلوب للدعوة،قد يكون موضوعًا جزئيًّا شكليًّا،ولكن لا مانع من ذكره للإيضاح فقط،فأرى أن تبدأ النقاش بهذا السؤال: لو أن إنسانًا أنشد نشيدًا ليس فيه معصية ولا كلام باطل محرم،وغير مصحوب بدف ولا مزمار ولا غيره،وهذا الكلام أنشده على سبيل الترويح عن النفس،أو المؤانسة،أو قطع عناء الطريق في سفر؛ هل هذا يحرم أم لا؟

سيقول لك الطرف الآخر: لا يحرم؛ بل هو طيب،ثم تنتقل وتسأله سؤالًا آخر: هل يوجد شيء في الشريعة يكون مباحًا غير حرام بشرط عدم إصلاح النية فيه،فإذا صلحت النية كان هذا الشيء حرامًا ؟ سيقول لك: لا.

إذًا: فمن أين لك أن قراءة بعض الأناشيد بنية صالحة؛ بهدف إشغال الناس -مثلًا- عن الغناء المحرم،أو رفع معنوياتهم،أو تلقينهم الحكم،والمعاني الرفيعة؛ أن هذا العمل يكون حرامًا؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت