وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « لاَ يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا » . [1] .
وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ،قَالَ: كَانَ مَرْوَانُ يَسْتَخْلِفُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ،فَكَانَ إِذَا رَأَى إِنْسَانًا يَجُرُّ إِزَارَهُ،ضَرَبَ بِرِجْلِهِ الأَرْضَ وَقَالَ: قَدْ جَاءَ الأَمِيرُ ! قَدْ جَاءَ الأَمِيرُ ! ثُمَّ يَقُولُ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - صلى الله عليه وسلم -:مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا،فَإِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِ،أَوْلَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ. [2]
وأما المرأة فيختلف حكمها،فعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ،أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ حِينَ ذُكِرَ الإِزَارُ:فَالْمَرْأَةُ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ:تُرْخِي شِبْرًا قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ:إِذًا تَنْكَشِفُ عَنْهَا،قَالَ:فَذِرَاعًا لاَ تَزِيدُ عَلَيْهِ. [3]
القيام بإصلاح الثوب إن وجد به شقا أو ثقبا،وعدم لبسه وهو ممزق،فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرقع ثوبه بيده،ويصلح نعله بنفسه. فعَنْ عَائِشَةَ،أَنَّهَا سُئِلَتْ:مَا كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ ؟ قَالَتْ:كَانَ يَخِيطُ ثَوْبَهُ،وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ،وَيَعْمَلُ مَا يَعْمَلُ الرِّجَالُ فِي بُيُوتِهِمْ. [4]
وعَنْ عُرْوَةَ،قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ ؟ قَالَ:"نَعَمْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَرُفُّ ثَوْبَهُ،وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ،وَيَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ كَمَا يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ" [5]
وعن هِشَامَ بْنِ سَعْدٍ،قَالَ:حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ بِشْرٍ التَّغْلِبِيُّ،قَالَ:أَخْبَرَنِي أَبِي وَكَانَ،جَلِيسًا لأَبِي الدَّرْدَاءِ،قَالَ:كَانَ بِدِمَشْقَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يُقَالُ لَهُ:ابْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ،وَكَانَ رَجُلًا مُتَوَحِّدًا،قَلَّمَا يُجَالِسُ النَّاسَ،إِنَّمَا هُوَ فِي صَلاَةٍ،فَإِذَا فَرَغَ فَإِنَّمَا يُسَبِّحُ وَيُكَبِّرُ حَتَّى يَأْتِيَ أَهْلَهُ،فَمَرَّ بِنَا يَوْمًا وَنَحْنُ عِنْدَ أَبِي الدَّرْدَاءِ،فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ:كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلاَ تَضُرُّكَ،قَالَ:بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سَرِيَّةً،فَقَدِمْتُ،فَجَاءَ
(1) - صحيح البخارى- المكنز - (5788 )
"بطرا"بفتح الطاء على المصدر وبكسرها على الحال من فاعل جر أي جره تكبرا وطغيانا، وأصل البطر الطغيان عند النعمة، واستعمل بمعنى التكبر. وقال الراغب: أصل البطر دهش يعتري المرء عند هجوم النعمة عن القيام بحقها. قوله:"لا ينظر الله"أي لا يرحمه، فالنظر إذا أضيف إلى الله كان مجازا، وإذا أضيف إلى المخلوق كان كناية، ويحتمل أن يكون المراد لا ينظر الله إليه نظر رحمة. وقال شيخنا في"شرح الترمذي"عبر عن المعنى الكائن عند النظر بالنظر لأن من نظر إلى متواضع رحمه ومن نظر إلى متكبر مقته، فالرحمة والمقت متسببان عن النظر.
ويستنبط من سياق الأحاديث أن التقييد بالجر خرج للغالب، وأن البطر والتبختر مذموم ولو لمن شمر ثوبه، والذي يجتمع من الأدلة أن من قصد بالملبوس الحسن إظهار نعمة الله عليه مستحضرا لها شاكرا عليها غير محتقر لمن ليس له مثله لا يضره ما لبس من المباحات، ولو كان في غاية النفاسة. فتح الباري لابن حجر - (10 / 258)
(2) - مسند أبي عوانة (6908 ) صحيح
(3) - صحيح ابن حبان - (12 / 267) (5451) صحيح
والحاصل أن للرجال حالين: حال استحباب، وهو أن يقتصر بالإزار على نصف الساق وحال جواز وهو إلى الكعبين. وكذلك للنساء حالان حال استحباب وهو ما يزيد على ما هو جائز للرجال بقدر الشبر وحال جواز بقدر ذراع.فتح الباري لابن حجر - (10 / 259)
(4) - صحيح ابن حبان - (12 / 490) (5677 ) صحيح
(5) - شعب الإيمان - (10 / 486) (7845 ) صحيح