الصفحة 126 من 524

أما الصابئة قيل: أنها من تعبد النجوم، فإن كان تقرَّ بدينٍ سماوي فإنه يجوز الزواج منها (1) .

هذا في المرأة أما الرجل فلا يجوز تزويجه من مسلمة إلا إذا كان مسلمًا؛ { وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا } (2) ، ولأن في إنكاح المؤمنة الكافر خوف وقوع المؤمنة في الكفر؛ لأن الزوج يدعوها إلى دينه والنساء في العادة يتبعن الرجال فيما يؤثروا من الأفعال، ويقلدونهم في دينهم (3) (4)

(1) هذه المسألة وقع فيها خلاف بين الإمام وصاحبيه، فالإمام قال بجواز الزواج منها؛ لأنهم ليسوا عبدة أوثان، وإنّما يعظّمون النجوم كتعظيم المسلم للكعبة، وعندهما: هم عبدة أوثان؛ لأنهم يعبدون النجوم. فإن كان كما فسَّرَه أبو حنيفة - رضي الله عنه - يجوز بالإجماع؛ لأنهم أهل كتاب، وإن كان كما فسَّراه لا يجوز، فلا خلاف في الحقيقة، وإنما الخلاف مبنيٌّ على الاشتباه في مذاهبهم، فكل أجاب بما عنده من أحوالهم، وهذا الخلاف مبنيٌّ على أنّهم عبدة أوثان أم لا. ينظر: شرح الأحكام الشرعية 1: 56، والبدائع 2: 271، ورد المحتار 2: 290.

(2) البقرة: من الآية221.

(3) ينظر: البدائع 2: 271، وغيرها.

(4) ومما يتصل به حكم إسلام أحد الزوجين أو كلاهما على التفصيل الآتي:

أولًا: إسلام أحد الزوجين، وفيه أمران:

الأمر الأول: حكم مَن لم يسلم من الزوجين، وله وجهان:

الوجه الأول: أن تسلم الزوجة، وله حالان:

الحال الأول: أن يكون الزوج مميزًا، ولو صغيرًا أو معتوهًا يعرض عليه الإسلام سواء كان كتابيًا أو غير كتابي، وفيه حكمان:

أن يمتنع عن الإسلام فيفرق القاضي بينهما؛ لأن زوجتَه صارت مسلمةً، فلا بُدَّ من أن يكون زوجُها مسلمًا.

أن يسلم، وله هيئتان:

أن تكون زوجته محرمًا له فَرَّقَ بينهما أيضًا لالتزامهما أحكام الدين الذي انتقلا إليه، وهو لا يجوِّز ذلك لعدم المحلية.

أن تكون غير محرّم له يقرّان على نكاحهما ولا حاجة لتجديد العقد؛ لأنا أمرنا بتركهم وما يدينون؛ ولأن حالة الإسلام حالة البقاء، والشهادة مثلًا ليست شرطًا فيها، وإنّما هي شرط في حالة الابتداء؛ لأن الأصل أن كلّ نكاح صحيح بين المسلمين صحيح إذا تحقَّق بين غيرهم.

الحال الثاني: أن يكون الزوج غير مميز، وله هيئتان:

أن يكون عدم تمييزه لصغره، فإنه ينتظر تمييزه، فإن ميَّزَ عُرِضَ عليه الإسلام كما تقدم؛ لأن التمييز له وقت معلوم.

أن يكون عدم تمييزه لجنونه، فإنه لا ينتظر شفاؤه؛ لأنه ليس له وقت معلوم، وربّما طال سنين كثيرة، فتتضرَّر الزوجةُ التي أسلمت، وله أحكام:

أن يكون له أب، فإنه يعرض الإسلام عليه، فإن أسلمَ تبعه ابنُه واستمرت الزوجيّة إلا إذا كانت الزوجة محرمًا له، وإن امتنعَ فرق بينهما القاضي.

إن كان له أبوان عرض عليهما الإسلام؛ لأنه يصير مسلمًا تبعًا لأحدهما، فإذا أبى أحدهما فلا بدّ من عرضه على الآخر.

إن لم يكن له أب ولا أم يقيم له القاضي وصيًّا؛ ليقضي عليه بالفرقة؛ لأنه لا يجوز عرض الإسلام على المجنون؛ لعدم صحّته منه، ولا يجوز انتظار الشفاء؛ لعدم علم الوقت الذي يحصل فيه فربّما بَقِيَ زمنًا طويلًا فتتضرَّر الزوجةُ التي أسلمت، ولا يجوز القضاء على المجنون، فأقيم له الوصيّ للقضاء عليه بالفرقة.

الوجه الثاني: أن يسلم الزوج، وله حالان:

الحال الأول: أن تكون زوجته كتابية، فإنه لا يعرض عليها الإسلام، بل النكاح باق على حاله؛ لأن المسلمَ يجوز له ابتداءً أن يتزوَّج كتابيةً فبقاء من باب أولى.

الحال الثاني: أن تكون زوجته غير كتابية، بأن كانت مجوسيةً أو وثنيةً، فإنه يعرض عليها الإسلام، وله حكمان:

الأول: أن تسلم أو تدخل في دين سماوي، ولها هيئتان:

أن تكون محرمًا للزوج، فإنه يفرّق بينهما.

أن لا تكون محرمًا للزوج، فإن الزوجية باقية، وإن كانت محرمًا فُرِّقَ بينهما.

الثاني: أن تمتنع عن الدخول في دين سماوي، فإنه يُفرِّق بينهما؛ لعدم جواز تزوّج المسلمُ غيرَ الكتابية؛ لقوله - جل جلاله: { وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِن } [البقرة الآية221] .

الأمر الثاني: حكم الأولاد الصغار للزوجين:

إن أسلم أحد الزوجين وكان بينهما ولد صغير، فإنه يحكم بإسلامه تبعًا لمَن أسلم من أبويه في صورتين؛ وهما:

أن يكون كلّ من الولد الصغير ومن أسلم من أبويه مقيمًا في دار الإسلام.

أن يكون الولد مقيمًا في دار الإسلام ومَن أسلم من أبويه مقيمًا في دار الحرب؛ لأن الولد يتبع خير الأبوين دينًا؛ لأنه أصلح له، ولا يحكم بإسلامه فيما إذا كانا مقيمان في دار الحرب أو كان الولد مقيمًا في دار الحرب؛ لأن دار الحرب لا تدخل تحت حكم المسلمين فلا يحكم على مَن هو مقيمٌ فيها بحكم يخصهم.

ولا يحكم بإسلام الولد بالتبع لغير الوالدين، ولو كان ذلك الغير جَدًّا؛ لأن الحكم بإسلامه إنّما هو بالتبعية، فتضعف إذا كان هناك واسطة؛ ولأن الولدَ لو تَبِعَ الجدَّ في الإسلام لكان تابعًا لجدّ الجدّ، وهكذا فيؤدّي إلى كون كلِّ الناس مسلمين تبعًا لإسلام آدم - عليه السلام -.

وتستمر هذه التبعية ما دام الولدُ صغيرًا سواء كان عاقلًا أو غير عاقل، فإذا بلغَ فله حكمان:

أن يبلغ عاقلًا فإن التبعية تنقطع.

أن يبلغ غير عاقل، فإن التبعية لا تنقطع بل تستمر إلى أن يعقل.

ثانيًا: إسلام الزوجين معًا، وله وجهان:

الأول: أن تكون الزوجة محرمًا للزوج، فإن يفرَّق بينهما.

الثاني: أن تكون الزوجة غير محرم للزوج، فإنه يبقى النكاح على حاله فيقرّان عليه إذا كان أصل العقد جائزًا عندهم، فلو تزوّج غيرُ مسلم بلا شهود أو في عدّة غيره مثلًا، وكان هذا جائزًا عندهم، ثمّ أسلما أقرّا عليه، فإن لم يكن جائزًا عندهم جدّد العقد على حسب الدين الإسلامي الذي انتقلا إليه.

ثالثًا: زواج الكفار:

يقرّ غير المسلمين ما هم عليه من الزواج إلا في حالتين:

أن يترافعا إلينا راضيين بحكم القاضي، فإنه ينظر في شكواهما بحسب الشريعة الإسلامية، ويحكم عليهما بمقتضاها؛ لأنهما رضيا بها، فإن ترافع أحدُهما فليس للقاضي الشرعي النظر في الدعوى، فلا يجبر الآخر على الحضور أمامه لسماع الدعوى.

أن يكون هناك حقّ مسلم، فإن القاضي ينظر في المسألة وإن لم تحصل مرافعة أصلًا، كما إذا كانت كتابية متزوّجة بمسلم فطلّقها، وتزوّجها كتابيّ قبل انقضاء عدّة المسلم، فللقاضي في هذه الحالة أن يفرِّق بينهما، وإن لم يترافعا ولا أحدهما للمحافظة على حقّ المسلم.

ومثل هذا ما إذا تزوّج الذميّ مسلمةً، فإن القاضي يُفرِّق بينهما وإن لم تحصل مرافعة ويوجعه عقوبة إن دخلَ بها ويعزَّر مَن زوَّجها له، وتعزَّر المرأة أيضًا، وإن أسلم بعد النكاح لا يترك على نكاحه، بل يجدد العقد بينهما. ينظر: شرح الوقاية ص315، والدر المختار 2: 388-389، ورد المحتار 2: 388-389، وشرح الأحكام الشرعية 1: 185-192، وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت