إنه لا يشترط أن يكون قبولها في مجلس وصول الرسالة، فلو بلغَها الكتاب وقرأته ولم تزوِّج نفسها منه في ذلك المجلس، وإنما زوجت نفسها منه في مجلس آخر بين يدي الشهود، وقد سمع الشهود كلامها وما في الكتاب يجوز النكاح (1) .
وهذا هو الفرق بين الكتاب والخطاب؛ إذ في الخطاب لو قالت: قبلت في مجلس آخر لم يجز, وفي الكتاب يجوز; لأن الكلامَ كما وجد تلاشى فلم يتصل الإيجاب بالقبول في مجلس آخر، فأما الكتاب فقائم في مجلس آخر, وقراءته بمَنْزلة خطاب الحاضر فاتّصل الإيجاب بالقبول فصحّ (2) .
ومقتضى هذا الفرق أن قراءة الكتاب في مجلس آخر لا بُدَّ منها؛ ليحصل الاتصال بين الإيجاب والقبول, وحينئذ فاتّحاد المجلس شرط في الكتاب أيضًا, وإنّما الفرق هو الكتاب, وإمكان قراءته ثانيًا, والظاهر أنه لو كان مكان الكتاب رسول بالإيجاب، فلم تقبل المرأة، ثم أعادَ الرسول الإيجاب في مجلس آخر فقبلت لم يصحّ; لأن رسالتَه انتهت أوّلًا بخلاف الكتابة; لبقائها (3) .
وعلى هذا يتخرَّج ما كثر السؤال عنه من الزواج بوسائل الاتصال الحديثة كالهاتف والفاكس والإنترنت وغيرها؛ إذ الهاتف أشبه بالرسول، والفاكس أشبه بالرسالة، والإنترنت إذا كانت كلامًا فكالرسول، وإذا كانت كتابة فكالرسالة. والله أعلم.
المطلب الثامن: أحوال العاقدين:
(1) ينظر: البحر: 3: 89، الهندية 1: 269، رد المحتار 3: 15، 4: 513. وأما ما ذهب إليه أبو زهرة في الأحوال الشخصية ص44-45 من الاعتراض على ابن عابدين فيه نظر؛ لأن هذا ليس كلام ابن عابدين وإنما هو المصرح فيه في المذهب، فقصر أبو زهرة مجلس الكتاب على مجلس الشهود إن لم تقبل مخالفٌ لما صرحت به الكتب السابقة من استمرار مجلس الكتاب؛ ولا ضير في ذلك؛ إذ لو وكَّلها بتزويجه نفسها فإن مجلسَها يستمرّ كذلك.
(2) ينظر: البحر: 3: 89.
(3) أفاده الرحمتي، ينظر: رد المحتار 3: 15.