وينبغي الانتباه هنا إلى أن القاعدة: أنّه متى أمكنَ مباشرة الموكّل حقيقة، يجعل مباشرًا حكمًا، وإلا فلا؛ لأن الوكيلَ في النكاح سفير, ومعبِّرٌ ينقل عبارة الموكِّل, فإذا كان الموكِّل حاضرًا كان مباشرًا; لأن العبارة تنتقل إليه، وهو في المجلس, وليس المباشر سوى هذا, بخلاف ما إذا كان غائبًا; لأن المباشر مأخوذ في مفهومه الحضور؛ فلو كان لرجل بنت بالغةٌ عاقلةٌ وزوَّجها بأمرها ورضاها بمحضر شاهدٍ واحد يصح الزواج؛ لأن البنت تعتبر هي المباشرة، ويعتبر والدها شاهد ثاني، وكذلك لو كان لرجل بنت صغيرة ووكّل رجلًا في زواجها فزوَّجها لرجلٍ بحضور شاهد واحد وحضور الأب، فإن الزواج صحيح؛ لأن الأب يعتبر هو المباشر، والوكيل يعتبر شاهدًا ثانيًا (1) .
والدليل على صحة زواج عاقد واحد يقوم مقام عاقدين:
قوله - جل جلاله: { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ } (2) . فقوله - جل جلاله: { لا تُؤْتُونَهُنَّ…. } خرج مخرج العتاب, فيدلّ على أن الوليَّ يقوم بنكاح وليّته وحده؛ إذ لو لم يقم وحده به لم يكن للعتاب معنى؛ لما فيه من إلحاق العتاب بأمر لا يتحقق.
قوله - جل جلاله: { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ } (3) ، أمر سبحانه وتعالى بالإنكاح مطلقًا من غير فصل بين الإنكاح من غيره أو من نفسه.
عن عقبة ابن عامر أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل: أترضى أن أزوجك فلانة، قال: نعم، وقال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلانًا، قالت: نعم، فزوَّج أحدهما صاحبه (4) .
(1) ينظر: رد المحتار 2: 274، وشرح الأحكام الشرعية 1: 20-22.
(2) النساء: من الآية 127.
(3) النور: من الآية32.
(4) في صحيح ابن حبان 9: 381، والمستدرك 2: 198، وموارد الظمآن 1: 308، وغيرها.