فهرس الكتاب
هذا الشعرُ الجاهلى المُعْجِب ، الذى لم أرَ - في ما قرأتُ من شعر الأمم - أقْدَرَ منه على سَبَرْ أغوار النَّفْس ، ولا أصدْقَ منه في وصف طبائعِ الأشياء .. يطيبُ لى أن أستشهِدَ منه اليومَ ببيتٍ للحارث بن حلِّزة اليَشْكُرى يقول فيه:
إنَّما العَجْزُ أن تَهُمَّ ولا تفعلَ
(م) والهَمُّ ناشِبٌ في الضميرِ
فهو - لله درُّه - يَصفُ في ما يَصف ، موقفًا من مواقف النفس البشرية ، يَتَمَخَّضُ في طَورَيْن اثنَيْن يًمرُّ بهما الإنسان، وتَمُرُّ بهما الجماعة كذلك ، في النهوض بأىِّ أمرٍ من الأمور: طورِ الهَمِّ:"تَهُمّ"، وطورِ الفعل:"تَفْعَل"! وقد صحَّ عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - في ما رواه أبو داوود - أن أصدق الأسماء حارث وهَمَّام. فالهَمُّ صفةٌ لازمةٌ من أصدق صفات الإنسان ، وطورٌ نفسى لابُدَّ منه استعدادًا لطور الفعل ، ولكنه"شرطٌ لازمٌ غيرُ كافٍ"كما يقولون. فما
لم يخرج المرَءُ من طور الهمِّ إلى طور الفعل، لم يكن لهَمِّه هذا أىُّ أثر، وأنا أزعُمُ أنَّنا - في مجال توحيد المصطلَحِ العلمىِّ العربىِّ - مازلْنا في طَوْر الهَمِّ ، على كثرة ما عَقَدَنْاه من مؤتمرات، وما أصدَرْناه من قرارات وما استَنْفَرْناه من حُلَفاء.. ولن ينفَعَنا ولن يَنْفىَ العجزَ عنا أن يكون همُّنا هذا ناشبًا في ضمائرنا ، مالم ننتَقلْ به إلى طَوْرِ"الفعل"العتيد.
... نَعَمْ ، قد تَرىَ في بعض ميادين العلم محاولات جادَّةً لهذا التوحيد ، ولكنها ستظلُّ قاصرةً إذا لم يُتَّفَقْ على نهجٍ لا حبٍ يسلُكُه العلماء المعرِّبون كلُّهم أجمعون ، ترعاه مؤسسةٌ ذات سُلطَانِ لغوى جَمَاعى كهذا المَجْمَع الموقَّر أو اتحاد المجامع.
... وقضيةُ السلطان الجماعىِّ هذه ،