فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 4462

قضيةٌ تطرَّقْتُ إليها على عَجَلٍ ولَمَسْتُها لَمْسًا رَفيقًا قبل بضْع سنين ، يومَ تحدَّثتُ في مجمع اللغة العربية الأردنى عَمَّا أسميتُه"نظرية الضرورة العلمية". وأنا عائدٌ إليها الآن إن شاء الله وإلى"نظرية الضرورة باختصار"، فلكلتيهما شأنٌ كبير في ما نحن بصَدَدِه اليوم.

... فقد تواطَأ علماءُ العربية منذُ عهد الخليل ، على أنَّ لهذه اللغة الشريفة أصلًا كان عليه بنيانها. وذلك وجهٌ من أهمَّ أوجُه عبقرية الخليل ، وبُعْدٌ رائع من أبعاد ذهنيَّته الرياضية الفذَّة ، تلك الأبعاد التى لانكاد نعرف لها مُجْتَمعَةً نظيرًا في عباقرة الأمم جميعًا. وقد كان للخليل - رحمه الله - فَضلُ ابتكار هذا التصوُّر الذى تقبَّل ظلالَه علماء العربية من بعده. ويُخيَّل إلىَّ أنه بفضل ذهْنه الرياضى الفَريد ، قد قام بعملية استيفاء راجع مُدْهِشَة ، تابَعَه فيها سيبويه ومن جاء بعده ، وتوصَّلوا منها إلى صرح جميل كأنه ممرَّد من قوارير ، لاترى فيه عِوَجًا ولا أَمْتًا ، ولا تُحِسُّ فيه شذوذًا ولا خَلَلًا.

... وهذا التصوُّر أشار إليه ابن جِنِّى فى"الخصائص" [1/64] فقال:"اعلم أن واضع اللغة لما أراد صَوْغَها ، وترتيبَ أحوالها ، هَجَمَ بفكْره على جميعها ، ورأى بعَيْن تصوُّرِهِ وُجوهَ جملها وتفاصيلها ، وعَلمَ أنَّهُ لابُدَّ من رَفْضِ ما شَنُعَ تألُّفه منها… فنَفَاه عن نفسه ، ولم يُمْرِرْه بشىء من لفظه…".

... وبمثل ذلك قال خَلْقٌ من علماء العربية كثير. وكانوا ينطلقون دائمًا من وجود هذا الأصل - الصَّرْح ، الذى يتَّصف بالحُسْن والجمال ، بل كادوا يَصِفونه كذلك بالكمال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت