فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 4462

ولكن علماء العربية لم يلبثوا أن تبيّنوا أن"واضع اللغة"لم يكن من البلادة بحيث يضع اللغة ويستريح ، وإنما هو"واضعٌ نشيط حَرِك"لم يعجبه أن يجمُد على ما توصل إليه من بنيان ، وإنما أخذ يُهَنْدِمُه من هنا ويُشَذَبْهُ من هناك ، حتى يبلغ به غايةَ الجمال.

..."وكان أبو الحسن يذهب إلى أن ما غُيِّر لكثرة استعماله إنما تصوّرَتْهُ العرب قبل وضعه ، وعلمت أنه لابُدَّ من كثرة استعمالها إياه ، فابتدءوا بتغييره ؛ علمًا بأن لابُدَّ من كثرته الداعية إلى تغييره". [الخصائص: 2/31]

... ولعل من أبرز ملامح هذه الظاهرة أى النحو باللغة منحى الجمال ، ما يُطلقون عليه طلب الخِفّة أو الاستخفاف ، أو النأى عن الاستثقال.

... واستمع إن شئت إلى ابن جنى في الخصائص [1/125 . 249] وهو يحدّثك عن شيخه أبى علىٍّ"عن أبى بكر عن أبى العباس أنه قال: سمعت عُمارة بن عَقيل يقرأ"ولاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارَ"بالنَّصب. قال أبو العباس: فقلت له: ما أردتَ؟ فقال: أردتُ (سابقٌ النَّهارَ) فقلت له: فهلاّ قُلْتَه؟ فقال: لو قُلْتُه لكان أوْزَن. ففى هذه الحكاية لنا ثلاثة أغراض مستنبَطة منها: أحدها تصحيحُ قولنا: إن أصل كذا كذا ؛ والآخَرُ قولُنا: إنها [أى العرب] فَعَلَتْ كذا لكذا ، ألا تراه إنما طلب الخفَّة؟ يدلُّ عليه قولُه: لكان أوْزَن أى أثْقَلَ في النفس وأقوى ، من قولِهم: هذا درهمٌ وازن، أى ثقيل له وزن ؛ والثالث أنها [أى العرب] قد تنطق بالشىء: غيرُه في أنفُسها أقوى منه ، لإيثارها التخفيف".

..."وكان الخليل يجيز خطايا وما أشبهه على قولهم في مِدْرَى: مَدارَى ، وفى صحراء: صَحَارَى لا على الأصل ولكنه يراه للخِفَّة أكثر". [المقتضب: 1/279]

..."ومن ذلك قولهم: (عَمْبَر) ، أبدلوا النون ميمًا في اللفظ وإن كانت الميم أثقل من النون ، فخُفِّفت الكلمة ، ولو قيل (عَنْبر) بتصحيح النون لكان أثقل". [الخصائص: 3/20]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت