فهرس الكتاب
(10) آنسٍ ـ صفة للحبيب الخفِر ولطيفه الزائر، أي مؤانس وملاطف. وهذا الطيف كان كلما اعتادني أي كلما عاودني بزيارته أرقني وحال بيني وبين النوم فامتنع النوم عني .
تقول: عاده كذا واعتاده وعاوده ، كلٌّ معناها واحد ـ يقال تعتادني الحمَّى كل ثلاثة أيام وتعودني وتعاودني . قال الشاعر ذو الرُّمة يذكر محبوبته:
تَعْتَادُنِي زَفَرات من تَذَكُّرها
تَكادُ تَنْفَضُّ منهنَّ الحيازيم
أي زفرات شديدة تؤثِّر في الصدر
هزتها حتى توشك الضلوع أن تنكسر وتنفصل .
(11) وكذَاكَ الحُبُّ ما أشْجَعَهُ
يَرْكَبُ الْهَوْلَ وَيَعْصِي مَنْ وَزَعْ
هذا البيت من أبيات الحكمة الرائعة .
لما ذكر الشاعر طيف الخيال ونسبه إلى محبوبته الحبيبة الهيوب تَعجب منه كيف استطاع أن يتجاوز الأهوال والغابات ويصل إلى ؟ كيف جسر على تخطي هذه الأهوال مع أن صاحبته امرأة لا تقدر على ملاقاة هذه الأهوال؟
والحق أن الحبيبة التي زاره طيفها لم تزره هي نفسها ، ولا أرسلت طيفها إليه. ولكن الذي صور له صورتها وجعل طيفها يزوره في المنام هو تفكيره هو نفسه فيها ، وعقله الباطن هو الذي صورها له . وقد بين هذا المعنى لنا من بعد الشاعر أبو تمام حيث قال:
زارَ الخيالُ لها بل أزارَكَهُ
فِكْرٌ إذا نَامَ فكرُ الخَلْقِ لم ينَمِ
أي زارك خيالها لا بل جعله يزورك
تفكيرك فيها ، وذلك أنك بتفكيرك فيها الدائم لا ينام عقلك حتى حين ينام الناس وتنصرف عنها وعن غيرها أفكارهم .
إذن فعقل الشاعر وفكره هو الذي اقتحم الليل ونسي أهوال الصحراء وعُصب الغاب وتجاوز جميع ذلك إلى الحبيب الحيي الهيوب الشاحط الدار أي البعيد الدار ، وإنما فعل فكره ذلك بجراءة الحب وشجاعته:
وكذَاكَ الحُبٌ ما أشْجَعَهُ
يَرْكَبُ الْهَوْلَ وَيَعْصِي مَنْ وَزَعْ