فهرس الكتاب
خلاصة القول أن الجماعة اللغوية تخرج عن الأصل لوجه الجمال تارةً ، ولوجه الدقة العلمية تارةً أخرى ، أو قُلْ: عنايةً باللفظ خَطْرةً ، ومراعاةً للمعنى خَطْرةً أخرى. حتى قال ابن السِّيد البطليوسى فى"الاقتضاب" [281] :"إن الأصول قد تُرْفَضُ حتى تصيرَ غيرَ مستعمَلة ، وتُستعمل الفروع ، كرفضهم استعمال أيْنُق وقِسِىٍّ وأشياءَ وأعيادٍ على الأصل".
فأنتَ ترى قوَّة السلطان الجماعى في الخروج على الأصل ، ومن أجل ذلك أزعم أننا بحاجة إلى مثل هذا السلطان في ما نحن بصدده ، وسأعود إلى ذلك - إن شاء الله - بعد قليل.
ما الذى يحدث الآن عندما يمارس الأفراد ما مارسته الجماعة؟
إن هذا هو الذى يطلقون عليه اسم"الضرورة"، وهى تتجلى في اتجاهَيْن اثنَيْن: الاتّجاه الأول هو الخروج على الأصل اقتداءً بما فَعَلَتْهُ الجماعة اللغوية في بعض الأحوال ، والاتّجاه الثانى هو العودة إلى الأصل ببعض ما أخرجته الجماعة اللغوية عن أصله.
يدلُّنا على الاتّجاه الأول بعضُ ما قال سيبويه [8:1-10] :"اعلم أنه يجوز في الشعر ما لا يجوز في الكلام منْ صَرْف ما لا يَنْصرف: يشبّهونه بما يَنْصرف من الأسماء… وحَذْفَ ما لا يُحذف: يشبّهونه بما قد حُذِف واستُعمل محذوفًا… وربَّما مدّوا مثل مساجد ومنابر… شبّهوه بما جُمِعَ على غير واحده في الكلام… ومن العرب مَنْ يثقّل الكلمة، إذا وقف عليها ولا يَثَقِّلُها في الوصل ، فإذا كان في الشعر فهم يُجرونه في الوصل على حاله في الوقف…"إلى أن يقول في شبه قاعدة [1/11-12] :"وليس شىءٌ يُضطرّون إليه وهم يحاولون به وجهًا".