فهرس الكتاب
أما الاتّجاه الثانى في مسيرة الضرورة ، فهو اتّجاه معاكس لعملية الخروج الجماعية على الأصل: هو ردٌّ إلى الأصل أو إجراءٌ عليه ، يصدر عمّا أودعه الله سبحانه في سليقة الشاعر من تراث الجماعة اللغوية ، فيجعله يعود إلى الأصل متهدّيًا بهَدْى هذه السليقة. فمن كلام الخليل في ما يرويه سيبويه [2/59] :"كما قالوا حين اضطروا في الشعر فأجروه على الأصل"ومن كلام سيبويه [2/161] :"واعلم أن الشعراء إذا اضطروا إلى ما يجتمع أهل الحجاز وغيرُهم على إدغامه أجروه على الأصل… وهذا في الشعر كثير". ومن كلام المبرِّد:"الضرورة تَرُدُّ الأشياء إلى أصولها" [المقتضب: 3/354] . والقاعدة في ذلك كما يضعها المبرّد:"ويكفيك من هذا كله ما ذكرتُ لك من أن الشاعر إذا اضطُرَّ رّدَّ الأشياء إلى أصولها" [المقتضب: 1/282] . وهو قد أمعن في ذلك حتى أجاز في الضرورة الرجوعَ إلى الأصل مطلقًا وإن لم يَرِدْ به سماع.
تجد ذلك في مثل قوله:
"إذا اضطر شاعرٌ جازَ له أن يَرُدَّ مبيعًا وجميع بابه إلى الأصل فيقول:"مبيوع"… فأما الواو ، فإن ذلك لا يجوز فيها… هذا قول البصريين أجمعين ، ولست أراه ممتنعًا عند الضرورة" [المقتضب: 1/239] .
"وحكى الفرّاء عن الكسائى أنَّ بنى يربوع وبنى عقيل يقولون"حَلْىٌ مصووغ"بواوَيْن ، وثوب مَدْووف ، وثوبٌ مَصْوون، وفرسٌ مقوود ، وقولٌ مقوول. وأما البصريون فلم يعرفوا شيئًا من هذا" [الاقتضاب:275] . والحق أنه ليس قول البصريون أجمعين ، فسيبويه يقول [2/367] :"وقد جاء مفعول على الأصل فهذا أجدر أن يلزمه الأصل قالوا: مخيوط ولا يُستنكر أن تجىء الواو على الأصل".