فهرس الكتاب
وأنا لا أفهم من الضرورة الشعرية - كما فهم بعض النحاة - أنها"ماليس للشاعر عنه مندوحة"، وأنها أمر كريه مستقبح ، يُلجأ إليه الشاعر إلجاءً كما يُلجأ المضطر في مخمصة إلى أكل المنخنقة أو الموقوذة ، ولا أقول مع أبى الفتح::إن العرب قد تلزم الضرورة الشعر في حال السعة أُنسًا بها واعتيادًا لها وإعدادًا لذلك عند وقت الحاجة إليها [الخصائص: 3/303] ، وإنما أفهم منها كما فهم الجمهور - على ما يذكره البغدادى فى"الخزانة" [1/15] - أنها"ما وقع في الشعر دون النثر ، سواء كان عنه مندوحة أو لا".. بل أفهم منها أكثر من ذلك: أنها - كالوزن والقافية - مَئِنَّة امتلاك ناصية الشعر والتمكُّن من التصرّف فيه.
ولقد وَهِم من وَهم من علماء العربية - في ما يخيَّل إلىّ - حين قاسوا الضرورة الشعرية على الضرورة الشرعية ، وما هى في حقيقة الأمر بذاك ، ولكنها - في ظنّى - كالذى قال الأخطل:
لكلِّ قرارةٍ منها وفَجٍّ
أضاةٌ ماؤها ضَرَرٌ يمورٌ
قال ابن الأعرابى: ماؤها ضَرَر أى نمير في ضيق ، وأراد أنه غزير كثير فمجاريه تضيق به وإن اتّسعت. [اللسان: ض ر ر] .
... وهذا حال الشاعر وهو يعانى تجربته الشعرية. فإنه قد يجد اللفظة وقد اتّسقت مع القياس ، غيرَ قادرة على أن تعبّر عن مستوى من الشعور حلَّقَ إليه ، فيميل إلى لفظة أخرى خارجة عن القياس، لإحساسه أنها أبلغ في التعبير عن أحاسيسه ونقل هذه الأحاسيس إلى سامعه. وإلا فما الذى ألجأ جريرًا إلى استعمال الكلمة نفسها مصروفةً وغير مصروفة في بيتٍ واحد:
لم تتلفَّعْ بفضلِ مِئزَرِها
دعدٌ ولم تُغْذَ دعدُ بالعُلَبِ
وقد كان له عن ذلك مندوحة ، إلا أنه ربما رأى في صرف"دعدٍ"الأولى لطيفةً من لطائف التعبير ، يتناغم فيها تعانُقُ الضمَّتين مع مشهد التلفُّع ، أو لعلّه قد شاء لسامعه أن يقف وقفةً قصيرة مع سكون التنوين ، يستوعب فيها المشهد الأول قبل أن يؤكّده بمشهد ثانٍ مستأنَف.