فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 4462

وقد يكون لارتكاب الضرورة علّةٌ يمثِّلها قولُ أبى النجم:

قد أصبحت أمُّ الخيار تدَّعى

علىَّ ذنبًا كلُّه لم أصنَعِ

... قال البغدادى فى"الخزانة" [1/175] : ورواية الرفع عند علماء البيان هى الجيِّدة ، فإنها تفيد عموم السلب ، ورواية النصب ساقطة عن الاعتبار ، بل لا تصحّ ، فإنها تفيد سلب العموم ، وهو خلاف المقصود… ورأيت للفاضل اليَمَنى على هذا البيت كلامًا أحبَبْتُ إيراده ، وهو قوله: معنى هذا البيت أن هذه المرأة أصبَحَتْ تدَّعى علىَّ ذنبًا ، وهو السيبُ والصلَع والعجز وغير ذلك من موجبات الشيخوخة… ولم أصنع شيئًا من ذلك الذنب، ولم ينصب"كلّه"لأنه لو نَصَبَه مع تقدُّمه على ناصبه لأفادَ تخصيص النفى بالكل ، ويعود دليلًا على أنه فعل بعضَ ذلكَ الذنب ؛ ومرادُهُ تنزيهُ نفسه عن كل جزء منه ، فلذلك رَفَعَه إيذانًا منه بأنه لم يصنع شيئًا منه قَطّ ، بل"كلُّه"بجميع أجزائه غيرُ مصنوع"."

... فالدقة في التعبير عن المراد هى التى ساقت أبا النجم إلى هذه الضرورة. وفى مثل ذلك يقول البغدادى:"قد يكون للمعنى عبارتان أو أكثر ، واحدةٌ يلزم فيها ضرورة ، إلا أنها مطابقة لمقتضى الحال… ولاشك أنهم في هذه الحال يرجعون إلى الضرورة ، لأن اعتناءهم بالمعانى أشدُّ من اعتنائهم بالألفاظ. وإذا ظهر لنا في موضعٍ أنَّ ما لا ضرورة فيه يصلح هناك ، فمن أين يُعلَم أنه مطابق لمقتضى الحال؟". [الخزانة: 1/15]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت