فهرس الكتاب
ومن ذلك أيضًا قول العرب: له عندي ما ساءه وناءه، والفعل: ناء لا يتعدى،والقياس أن يقال: أناءه ، وإنما حذف الهمزة ليحاذي الفعل: ساءه، وفي اللسان: أراد ساءه وناءه، وإنما قال: ناءه وهو لا يتعدى ، لأجل: ساءه ، فهم إذا أفردوا قالوا: أناءه، لأنهم إنما قالوا: ناءه، وهو لا يتعدى لمكان ساءه ليزدوج الكلام (3) .
وأما تحويل المجرد إلى مزيد من أجل تحقيق المحاذاة ما قاله الكُميت:
أَبْرِقْ وأَرْعِدْ يا يزيـ
... ـد فما وعيدُك لي بضائِرْ
فالفعلان:أبرق،وأرعد مجردان:بَرَق، ورَعَد، ففي حديث أبي مُلَيْكة:"إنَّ أمَّنا ماتت حين رَعَد الإسلام وبَرَق"بغير همزة، والأمر منهما:ابْرُق،وارْعُد،كما يقول ابن أحمر:
يا جُلَّ ما بَعُدَتْ عليكَ بلادُنا
فاْبْرُقْ بأرضِكَ ما بدا لَكَ وارْعُدِ
ولم يكن الأصمعي يرى بيت الكُميت حُجَّة؛ لأنه عنده مولّد ، وإنما قال: أَبْرِقْ، وأَرْعِدْ للازدواج ، ولتحقيق المحاذاة بين الفعلين (4) .
ومثله قوله عليه الصَّلاة والسلام:"مَنْ حفَّنا أو رفَّنا فليقتصد"؛ أي مَنْ خدمنا أو أطعمنا ، وكان الأصل: أتحفنا، فأتبع حفَّنا رفَّنا (5) . وتحقق بهما معًا المحاذاة.
رابعًا:الاستغناء بالمفرد عن المثنى أو الجمع والعكس:
قد تتحقق المحاذاة بين الكلمات عن طريق
الإتيان بالمفرد في موضع التثنية أو الجمع، ومن ذلك قوله تعالى: ( فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ((1) (طه 117) ،وكان القياس يقتضي: فتشقيا إلا أن الحس الجمالي في القرآن الكريم أبي إلا أن يحقق المحاذاة بين الفواصل القرآنية ؛ في الآية السابقة عليها: إلا إبليس أبى ، والآية التالية: ألا تجوع فيها ولا تعرى .