فهرس الكتاب
(رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (( 1) ؛فقد أجرى الشمس والقمر والكواكب مجرى العاقل،وكذلك قوله تعالى: ( كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (( 2) . فأسند للفعل واو الجماعة، وعامل الليل والنهار معاملة العاقل ، كل ذلك من أجل تحقيق المحاذاة ومراعاة الفواصل (3) .ومن مظاهر المحاذاة أيضًا العدول عن صيغة الماضي إلى صيغة الاستقبال من أجل الفاصلة والمحاذاة ؛ كما في قوله تعالى:
(فَفَرِيقًا كَذّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ((4) ، والقياس كان يقتضي: وفريقًا قتلتم (5) .
ومن ذلك تذكير اسم الجنس أو تأنيثه حسب ما تقتضيه المحاذاة ، كما في قوله تعالى: ( أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِر (( 6) ، وقوله تعالى: ( أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاويَة((7) ، فاستعمل في الأولى: منقعِر لتحاذي ما قبلها وما بعدها من آيات ، واستعمل في الثانية: خاوية للسبب نفسه، فسورة القمر فواصلها:
الراء، وسورة الحاقة: فواصلها التاء المربوطة ، وبذلك تحققت المحاذاة في اللفظ والمعنى أيضًا (8) .
سادسًا: الإتباع:يُعدُّ الإتباع صورة من صور المحاذاة الصرفية وهو من سنن كلام العرب،وقد عرَّفه أحمد بن فارس بقوله: هو أن تتبع الكلمةُ الكلمةَ على وزنها أو رويّها إشباعًا وتأكيدًا ، وقد سُئل بعض العرب عن ذلك فقال: هو شيء نَتِدُ به كلامنا ، وذلك قولهم: ساغبٌ لاغبٌ ، وهو خَبٌّ ضبٌّ ، وخرابٌ يبابٌ ، وقد شاركت العجمُ العربَ في هذا الباب (9) . وفي كتاب الإتباع والمزاوجة يقول ابن فارس: هذا كتاب الإتباع والمزاوجة ؛ وكلاهما على وجهين: أحدهما أن تكون كلمتان متواليتان على رويٍّ واحد ، والوجه الآخر: أن يختلف الرويَّان ، ثم تكون بعد ذلك على وجهين أحدهما: أن تكون الكلمة الثانية ذات معنى معروف ، إلا أنها
كالإتباع لما قبلها ، والآخر: أن تكون الثانية غير واضحة المعنى ولا بنية الاشتقاق (1) .