فهرس الكتاب

الصفحة 1408 من 4462

ولم يستطع الأستاذ ريببرا أن يدلي ببرهان قاطع على رأيه هذا ، مع أنه معتمد في مذهبه على ما هو معلوم وثابت بالفعل من أن سكان الأندلس كانوا مزدوجي اللغة يتحدثون بالعربية والأعجمية معا إلى أيام المرابطين ، وعلى مقدمة خاطئة ، وهي أن ازدواج اللغة يترتب عليه ازدواج الثقافة على كل حال، وليس الأمر كذلك ضرورة ، كما هو معروف ، فلم يكن لزعم ريبيرا هذا كبير صدى في أيامه لاطراد شعور أهل العلم بأن أسس نظريته متقلقلة . ولكن المقادير شاءت أن تكتشف الخرجات الأعجمية الملحقة بالموشحات العبرية في أواخر الأربعينيات على يد الأستاذ غارسيا غوميس ، وهو تلميذ ريبيرا المخلص لآراء معلمه ولعصبيته الغالية ، فجعلها هو أقوى دليل على صحة نظرية أستاذه المهجورة آنذاك ، وبدأ يدعو لها ثانية في سلسلة من الأبحاث ، من تحقيقه لنصوص تلك الخرجات ودراسته لدار الطراز إلى تحقيقه لديوان ابن قزمان الذي أبلى فيه بلاء حسنا وقدم به خدمة كبيرة للعلم بالنسبة إلى المحاولات الشبيهة السابقة له ، باذلا في هذه المبادرة كلها جهدا جسيما بقصد تقطيع جميع الموشحات والأزجال الأندلسية المعروفة عندئذ وفقا لمبادئ الشعر الإسباني . ولم يعدم هذا النشاط الجدير بالإعجاب والتقدير حقا لما اتصف به من الجد والاجتهاد أثرا ملموسا في الدوائر العلمية العالمية ، إذ تمكن من إقناع الكثيرين من العلماء الغربيين ، وحتى بعض العرب ، بصحة بعض نظريته أو كلها ، إلى درجة أن كبار المتخصصين في هذا الميدان ذهبوا مذهبه أو على الأقل أضربوا عن مناهضته إضرابا تاما أو كادوا، لما كانت الخرجات الأعجمية إلى جانب شواهد الازدواجية اللغوية الأندلسية تقارب في أنظار الجميع إثبات الازدواجية الثقافية التي هي أساس تلك النظرية ، وتحملهم على تصديق ما ادعاه غارسيا غوميس من أن للأندلسيين شعرًا رومانسيًا قائما بذاته موروثا من أسلافهم الجاهليين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت