وكان عموم العلماء العرب المعتنيين بهذا الأمر أثناء ذلك ما برحوا يعتقدون أن البنية الدورية للفنين إنما تولدت من التسميط ، الذي اخترعه الشعراء المحدثون من أمثال أبي نواس في القرن الثاني ، وأن بنيتهما العروضية هي الأخرى مطورة من الأعاريض الخليلية المتأخرة التي وضعها بعض تلاميذ العلامة البصري في أيامه أو بُعَيْدها ، وكلا الأمرين صحيح ، ولكن هؤلاء العلماء المعاصرين ، وأخص منهم بالذكر المستحق بل الواجب أستاذنا الجليل الجهبذ المرحوم عبد العزيز الأهواني، لم يستطيعوا أو لم يريدوا أن يقفوا في وجه ذلك التيار الجارف موقفا مكافحًا مدافعين عن رأيهم ومضادين لعكسه ، أولا لأن الحجج الفاصلة لم تكن متوفرة بعد ، إذ كان تقطيع الفنين الخليلي غير خال عن بعض المشاكل العملية ، وثانيًا لأنهم أو معظمهم ، على خلاف خصمهم المتحمس في نعرته القومية ، كانوا يعطفون على الأندلس والإسبان معًا، فلم يثر حفيظتهم زعم وجود ثقافة أعجمية في حوزته إلى جانب الثقافة العربية ، بل بدا ذلك لهم أمرا طبيعيا رحبوا به ولم يحثهم على طلب الأدلة المفندة لهذا الاحتمال البعيد ، مع أنها في متناول اليد ، إذا أمعنا النظر في الحقائق التاريخية المثبتة وفي اختلاف معنى الألفاظ"أعجمي"و"رومنسي"و"إسباني"، مع أن في المسألة إمكان إثارة جدال ملي نبا عنه حسن ذوقهم،فنعم علمهم وأدبهم!