فهرس الكتاب
أساليب الشعر الأوربي كأغاني الصبح والأزواج الغيارى ومفهوم الحب الصالح ، وكل ذلك معدوم فيها ، وإنما خيل إلى محققي هذه النصوص أنه موجود لما ارتأوه من أنها منتمية إلى نموذج ثقافي أوربي ، ولا أقول إن هذا السلوك صادر عن المغالطة وسوء النية في جميع الأحوال ، بل أرى أكثر ذلك راجعا إلى الاغترار الناتج عن الحماس الفكري وعدم التضلع في اللغة العربية والحضارة الإسلامية.
على أنني كنت وعدتكم في عنوان هذه المحاضرة بإطلاعكم على أدلة جديدة على الأصول العربية لبنية التوشيح والزجل الدورية ، وهذا هو الهدف الرئيسي من حديثي إليكم اليوم ، ولم يكن ما سبقه غير تهيئة له وتذكار بسوابقه، وقد حان وقت التصدي لقلب المسألة . وذلك أن موالي نظرية الأصل الرومانسي لهذين الفنين ما انفكوا متشبثين بإنكار تولدهما من التسميط ، مع كونه تعليلا معقولا جدا ، بحجة أن صيغة هذا أ أ أ هـ ، في حين أن صيغة الموشح الأصلية هـ هـ أ أ أ هـ هـ ، وصيغة الزجل الأصلية هـ هـ أ أ أ هـ ، ومن الجلي أن الفرق بينها جميعا يسير منحصر في مضاعفة القفل وإسباق البيت اختياريا بمطلع مشاكل في حالة الموشح خاصة ، وهذا ضروري في الزجل الذي لا يكاد يكون أقرع إلا في حالات نادرة جدا أو متأخرة ، مع عدم مضاعفة قفله على عكس الموشح . ولكنهم بالغوا في أهمية هذه الفروق ، فجعلوها مانعا حتميا دون إمكان تولد بعض هذه الصيغ عن بعض ، علما منهم بأن الاعتراف بذلك مزيل لأهم أسس النظرية الرومانسية، وأصروا على المطالبة بشرح كاف شاف لأسباب وقوع ذلك التطور وكيفيته ، وهذا ما لم يكن حتى الآن في متناول اليد .