فهرس الكتاب
ولكن الحق يتجلى ، ولو بعد حين ، ومن غريب الصدف ، أو بالأحرى من نتائج الاجتهاد والمثابرة اللذين يجب الاقرار بهما لمعظم المعتنين بهذه القضية ، أن الأستاذ مونرو الموالي للنظرية الرومانسية ، أثبت أخيرا أن خرجات كثيرة لموشحات مشهورة مقتبسة من أزجال شهيرة هي الأخرى ، فاستنتج من ذلك ، وهو برهان قاطع لا ينكر ، أن الزجل أقدم حتما من التوشيح ، على عكس الرأي السائد سابقا لدى العلماء من أنه مجرد تقليد عامي له . ولكن الأستاذ مونرو لم يهتد ولم يهتد غيره حتى الآن إلى أن أقدم الأزجال التي اقتبسها الجيل الأول من الوشاحين خرجات لموشحاتهم عند اختراعها ، أي عند تطويرها من المسمط ، لم تكن دورية البنية بعد كالأزجال المعهودة ، بل كانت أبسط من ذلك عبارة عن بيتين مقفيين فقط كالدوبيت المشرقي ، والغريب في القصة أن الشواهد بذلك كانت أمام عيوننا منذ زمن طويل في مقدمة ابن قزمان لديوانه التي تحتوي ما لا يقل عن ستة أزجال من هذا الطراز البدائي ، كنا نخالها ، لاقتناعنا بأن الزجل لا يكون إلا دوريا دائما ، قطع أزجال عادية ذكرها ابن قزمان مختصرة ، وليس الأمر كذلك ، أولا لأنه يذكر زجلا آخر دوريا في نفس الموطن يثبت أنه لم يقصد الاختصار هنا ، وثانيا لأن لدينا زجلا آخر من نفس هذا الطراز البدائي راجعا إلى سنة 300 ، وقد عثرت عليه أثناء تحقيقي للمجلد الخامس من المقتبس لابن حيان .
فيتبين من ذلك كله:
أن الزجل القديم كان عبارة عن دوبيت يقوله الشعب بالعامية أو بالأعجمية ببنية عروضية خليلية محورة من القرن الثالث فصاعدًا على الأقل ، كما يثبته تقطيع ذلك الزجل الراجع إلى سنة 300 .