فهرس الكتاب
أن ابن بسام قال الحق ، وأفادنا خبرا كان يكفينا لمعرفة حقيقة هذا الأمر لو لم تتسلط على عقولنا الهواجس ، عندما قال عن مخترع التوشيح محمد ابن محمود القبري الضرير إنه"كان يصنعها على أشطار الأشعار غير أن أكثرها على الأعاريض المهملة غير المستعملة ، يأخذ اللفظ العامي والعجمي ويسميه المركز ويضع عليه الموشحة"، وفي كلامه هذا تلخيص عجيب قد أسيء فهمه مع إفادة كاملة للعناصر المميزة للتوشيح ، أي أن عروضه خليلي ، فإن الأعاريض المهملة جزء من العروض العربي ، وإن قل استعمالها ، كما بينه المرحوم الأستاذ سيد غازي في كتابه"في أصول التوشيح" (ص65) ، وأن المركز أو الخرجة كلام عامي أو أعجمي موزون بالعروض الخليلي ، وإلا فكيف أمكن بناء الموشح عليه ، إلا أنه لم يسمه زجلا لأن هذا المصطلح كان قد أصبح مخصصا في أيامه للزجل الدوري المعهود الذي نشأ بعد التوشيح مقلدا لمبادئ بنيته الدورية ، عندما أراد بعض الأدباء المولعين بفنون الشعب من أمثال ابن قزمان أن يُحَلُّوهُ بِحِلىَ التوشيح مع الحفاظ على ملاحة لغته العامية ، فجعلوه مسمطا واتحذوا له مطلعا في مرحلة أولى ، ثم ضاعفوا أقفاله على غرار أقفال الموشح ، وهو الزجل الموشح المحدث بعد الزجل الأصلي ، وربما أدخلوا فيه التضمين ، أي القوافي الباطنة في الأقفال ، فأخيرًا التضفير ، أي أمثالها في الأغصان ، وسائر ما نجده من المحليات الشكلية في التوشيح من ترئيس وتذييل ، إلخ .