فهرس الكتاب
والآن فقد اتضح لنا ما كنا نجهله من قبل وهو سبب الاختلاف في صيغتي الموشح والزجل مع تولدهما معا من المسمط ، فمن البديهي أن مخترعي التوشيح، وهم شعراء مثقفون مولعون بالأدب الشعبي ، إنما قصدوا أن يزيدوا على ظرافة المسمط المتنوع القوافي بعض ملح كلام العوام ، فاستبدلوا بسمط الدور الأخير زجلا من الطراز القديم البدائي المتكون من بيتين مقفيين فقط على سبيل التصريع ، فاضطروا لأجل التناسب إلى مضاعفة الأسماط الباقية كذلك ، وربما أسبقوها بمطلع مشاكل ، فتولد من ذلك الموشح الأصلي بمطلعه الاختياري وأدواره المتكونة من ثلاثة أغصان وسمطين أي قفلين ، وبخرجته العامية أو الأعجمية بدلا منهما في الدور الأخير ، ثم إن بعضهم قطعوا شوطا جديدا وهموا باستنباط شعر موشح عامي كله ، فعادوا يلتفتون إلى التسميط بالطبع لكونه مثال الدورية الأصلي في الشعر العربي ، غير أنهم في هذه المرة لم يحتاجوا إلى استبدال شيء مليح من أقوال العوام بسمط من أسماطهم ، إذ كانوا قد جعلوا الكلام كله عاميا على غرار الزجل القديم الشعبي الأصل ، وإنما صدروه بمطلع ذي سمطين شأن الموشح ، الذي كان قد أصبح أسوة مقتفاة ومثالا مرموقا ذا تأثير في جميع أصناف الشعر الدوري . ومن الجدير بالملاحظة أنهم ما كادوا يستغنون عن المطلع في الزجل ، على خلاف الحال في الموشح الأقرع ، وقد بان سبب ذلك الآن أيضًا ، فإن الزجل الأقرع لا فرق بينه وبين المسمط ما عدا اللغة ، ومن خصائص هذه الطائفة من الشعراء المحدثين المغرمين بالفنون الشعبية الولوع بجميع أصناف التجديد والإبداع شكلا ومضمونا بمقدار كرههم للتقليد والاتباع في هذين البابين ، وهذا بعينه ما حملهم أيضًا على التكثير من التعديلات في الأعاريض الخليلية وعلى تعقيد البنية الدورية إلى درجة بعيدة، كما هو مشهور وجاء ذكره في جميع المؤلفين من أمثال ابن سيناء الملك والحلي ، وكما ينعكس فيما بلغنا من آثار الفنين .