فهرس الكتاب
الزملاء المجمعيون ، سيداتي وسادتي:
الفصحى لغة عريقة تتعمق في التاريخ إذ نشأت منذ نحو ستة عشر قرنًا ، وهي -بذلك- أقدم اللغات الحية زمنًا وأطولها حياة ، تولدت من لهجة قريش وارتفعت إلى منزلة لغة أدبية لعرب الجزيرة العربية في الجاهلية ، وإنما اختارت قبائل الجزيرة لهجة مكة القرشية لتكون لغة أدبية عامةً لها لأن مكة كانت مهوى أفئدتهم بسبب مركزها الديني الروحي والاقتصادي المادي فكانت حارسة الكعبة بيت عبادتهم ، وكانت قوافلها التجارية تجوب الجزيرة شمالًا وجنوبًا وشرقًا ، وكان العرب يجتمعون بها في أعيادهم الدينية وفي الأسواق المحيطة بمكة ، وبخاصة في عُكاظ ينشدون فيها أشعارهم ، ويحتكمون إلى النقاد لإعلان أسماء المتفوقين فيهم . وكانت القبائل العربية ترى الحبشة تسيطر على اليمن ثم الفرس ، ويسيطر الروم على القبائل في الشمال الغربي للجزيرة ،
والفرس على القبائل في الحيرة والشمال الشرقي ، فتجمعت قلوبهم حول مكة التي لم تدِن يومًا لسلطان أجنبي فكانت رمز استقلالهم وعاصمة ديانتهم الوثنية ، وكان طبيعيًا أن يشعروا بسمو لهجتها ، وأن يتخذوها لغتهم الأدبية التي يصوغون فيها أدعيتهم الدينية وأشعارهم . ونوَّه أسلافنا بجمال اللهجة القرشية الفصحى وتفوقها على اللهجات العربية من مثل قول أحمد بن فارس:"إن قريشًا أفصح العرب ألسنة وأصفاهم لغة"ويقول أبو نصر الفارابي:"كانت قريش أجود العرب انتقاء للأفصح من الألفاظ وأسهلها على اللسان عند النطق وأحسنها مسموعًا وأبينها إبانة عما في النفس".