فهرس الكتاب
وحظيت هذه الفصحى القرشية بنزول القرآن الكريم فيها وما صبّ بها من إشاعات بلاغية وربانية بحيث لم يتح لأمة من الأمم كتاب يماثله في روعة البيان، وظن الأسلاف أن هذه الروعة وحدها مدار إعجازه وحدها ووقفوا عندها يصورونها في مباحث قيمة ، وفاتهم من وجوه إعجازه أنه ينقل من يتلوه ومن سمعه إلى حضور رباني يملك عليه لبه وقلبه، ويستولي على كيانه ، فيستسلم للرسول ويعلن إليه إسلامه على نحو ما كان يحدث للمسلمين القرشيين الأولين وما حدث لعمر بن الخطاب ، فقد كان كافرًا وملأه خاله أبو جهل أكبر أعداء الرسول حَنقًا عليه وغضبًا لتفريقه الجماعة في مكة، وأقسم لخاله ليقتلنه وتقلد سيفه، وسار في شوارع مكة وفيها علم أن أخته فاطمة وزوجها سعيد بن زيد أسلما ولم يكن يعلم، وسمعهما يتلوان القرآن قبل دخوله البيت فدخل غاضبًا في عنف ، وضرب أخته فقالت له: قد أسلمنا فاصنع ما بدالك . يقول عمر: - كما في عيون الأثر - فرأيت كتابًا في ناحية من البيت، فقلت لأختي أعطنيه ، ولم أزل بها حتى أعطته لي ، فإذا فيه سورة الحديد ، وقرأت في أولها (بسم الله الرحمن الرحيم) فذُعرت ورميت الصحيفة من يدي ثم رجعتْ إليَّ نفسي فإذا فيها: ( سبح لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم) فكلما مررت باسم من أسماء الله ذُعرت ثم ترجع إلي نفسي حتى بلغت الآية: ( آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) وبلغتُ إلى قوله: ( إن كنتم مؤمنين ) فقلت أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله . ووضع عمر سيفه في غِمده وذهب مهرولا إلى رسول الله وأعلن إليه إسلامه . وفي هذا الخبر ما يصور بدقة ما أقوله من أن القرآن الكريم يمسك بزمام تاليه وسامعه ، بحيث يستسلم لله ورسوله، وهو إعجاز عبر عنه عمر بقوله إنه كان يذعر كلما تلا اسمًا من أسماء الله .