فهرس الكتاب

الصفحة 1423 من 4462

وسمع الوليد بن المغيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم- وهو يتلو بعض آيات من القرآن وكان من ألد أعدائه ، فتوجَّه إلى نفر من قريش قائلا:"والله لقد سمعت من محمد كلاما، ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنِّ وإن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة". وقد شعر بوضوح أن آيات القرآن تباين كلام الإنس من شعرائهم الفصحاء كما تُباين كلام الجن الذي كان يزعم كُهانهم أنهم ينطقونهم به ، فهو ليس شعرًا موزونًا مما كان ينطق به شعراؤهم ، ولا سجعا مقفىًّ مما كان ينطق به كهانهم. إنه نمط جديد باهر يؤثر في النفوس والقلوب.

وقد عملت هذه الفصحى القرآنية على تقريب ما بينها وبين اللهجات القبلية إذ كان العرب يتلونه آناء الليل وأطراف النهار ، وتغلغلت هذه الفصحى باليَمَن في الإنحاء الداخلية التي كانت لا تزال تتكلم اللغة الحميرية . ولما فُتِحت البلاد الإسلامية أخذت هذه الفصحى تسود شرقًا وغربًا إذ كانت تلاوةُ القرآن فرضًا مكتوبًا على كل مسلم، ويقول الله تعالى: ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكا ونحشُرُه يومَ القيامةِ أعمى قال ربِّ لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتَها وكذلك اليوم تُنْسى ) وبذلك تحول المسلمون في جميع أقطار البلاد الإسلامية إلى حفظه للقرآن يتلوه كبيرهم وصغيرهم ، حتى من سكنوا منهم في رءوس الجبال وفي الصحارى النائية مما جعل المسلمين في كل بقاع الأرض ينطبعون بطوابع الفصحى القرآنية.

وتتميز فصحى القرآن بأسلوبهم الرصين مع الجزالة والعذوبة وقربها من الأفهام حتى تلمس شغاف القلوب ، أسلوب واضح يلذ الآذان حين تستمع إليه والأفواه حين تنطق به والأفئدة حين تصغى له ، وقد استطاع أن يفتح قلوب الشعوب حين فتح العرب الأمصار من أواسط آسيا إلى المحيط الأطلنطي فإذا جميعها تهْجُر لغاتِها وتزايل ألسنتها ، وتحل فيها جميعًا لغته الصافية الشفافة بألفاظها الناصعة المستحسنة في الآذان وعلى الأفواه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت