فهرس الكتاب
وحدثت خطوب وأحداث كثيرة ماتت لغات كانت ناطقة ومنتشرة مثل اللغتين اليونانية العتيقة واللاتينية ، وبَلِيَتْ منها فصحى العربية بلاء كثيرًا جعل حضارة الأمة العربية وما يُطْوَى فيها من العلوم والفلسفة تكاد تتوقف ويصيبها عُطلٌ شديد ، غيرَ أنها لم تمت وظل لواؤها مرفوعًا طوال عدة قرون خمدت فيها وركدت إلى أن وصلت إلى القرن التاسع عشر الميلادي بعد كل ما أصابها من الكوارث والخطوب سليمةً دون أن يعتريها شيء من الفساد أو الاختلال . وكانت مصر قد بدأت نهضة علمية ، فضمتها إلى صدرها وأخذت تنقل إليها العلوم الحديث للغرب ، وأدتها أداء دقيقًا، وسرعان ما كوَّنت مصر منها لغة علمية في القرن الماضي انتفعت بها جاراتها العربية، وعرَّبت - مع العلوم الغَرْبيَّة - القانون الفرنسي وعلم الاقتصاد ويسميه العرب عِلْمَ المعاش . ولم تلبث مصر في العقود الأخيرة من القرن الماضي أن بدأت ترجمة الآداب الأوربية وما ينطوي فيها من الأعمال القصصية والمسرحية . وكانت فصحى الشعر في هذه العقود قد تخلَّصت - على يد البارودي - من أغلال البديع الثقيلة ومن أساليبه الركيكة الغثة وأصبح الشعر يصور حياة الشاعر ومشاعره وحياة أمته مع استعارته من أسلافه إطارهم الشعري، غير أنه يملؤه بروحه وبشخصيته وبأمته وأحداثها السياسية مما اختلف عليه من أيام نعيم وأيام بؤس ونفي في سرنديب.