فهرس الكتاب
الزملاء الأجلاء:
السيدات والسادة:
اللغة هى المرأة التى تحمل شخصية الأمة وهويتها على مر التاريخ ، إذ تستوعب جميع جوانب حياتها العملية والدينية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وهى تتطور من الزمن صورًا مختلفة من التطور على نحو ما تطورت العربية في الجاهلية ، وتفرعت منها لهجات كانت أسماها لدى العرب لهجة قريش حامية دينهم الوثنى ، وتآزرت مع الدين عوامل اقتصادية وسياسية جعلتها تسود في الجاهلية جميع لهجات العرب القبلية كما تسود ألسنتهم في الشعر والخطابة.وما هذه اللهجة القرشية إلا الفصحى التى ننطقها اليوم ، وقد نزل بها القرآن الكريم ، فزادها تمكينًا في ألسنة العرب وأضفى عليها بيانًا رائعًا ببلاغته المعجزة. وأخذت منذ الفتوح الإسلامية تكتسح لغات البلدان التى
افتتحها المسلمون شرقًا وغربًا ببلاغتها الآخذة بمجامع القلوب، واكتسحت الفارسية في إيران، والنبطية والآرامية في العراق، والسريانية واليونانية في الشام والقبطية واليونانية في مصر، والبربرية واللاتينية في المغرب ،واللاتينية وفرعها من الرومانية في الأندلس. وكل هذه اللغات قهرتها الفصحى في جميع تلك الأقطار وحلت مكانها في ألسنه سكانها فهم يتكلمون بها ويتخذونها للتعبير بها عن مشاعرهم وعواطفهم وعقولهم وأفكارهم.
وأكبَّ العرب - ومعهم الشعوب الإسلامية المستعربة - على وضع العلوم تلبية لدعوة القرآن والحديث النبوي إلى العلم والتعلم ، وأخذت توضع العلوم الإسلامية من تفسير للقرآن وفقه وغير فقه، وبالمثل العلوم اللغوية من نحو وغير نحو. ونقلوا إلى الفصحى كل ما لدى الأمم الأجنبية من علوم الكيمياء
والفلك والطبيعة والرياضيات والفلسفة. وتزدهر للفصحى نهضة علمية وفلسفية عظيمة منذ القرن الثانى الهجرى حتى الثامن الهجرى، وطوال هذه القرون الستة"كانت الفصحى اللغة العالمية الأولى التى تقود العالم في ميادين العلوم والفلسفة."